شريف رزق يكتب : شعريَّة الخبر في قصيدة النَّثر المصريَّة | موقع قصيدة النثر - kasedat-elnathr-site

شريف رزق يكتب : شعريَّة الخبر في قصيدة النَّثر المصريَّة

شعريَّة الخبر في قصيدة النَّثر المصريَّة

يُعدُّ الخبر من أبرز الأشكال السَّرديَّة العربيَّة التي لم تنلْ حقَّها من الدِّراسة، بالمقارنة إلى أشكال سرديَّة قديمة؛ كالمقامات والرَّسائل، أو حديثة؛ كالرِّواية والقصَّة، على الرَّغم من شيوعه في الأدب العربيَّ القديم وتعدُّد آليَّاته النَّصِّيَّة، ومن اللافت أنَّنا لانجد في مدونة النَّقد العربيِّ تعريفًا محدَّدًا لمفهوم الخبر، كشكل سرديٍّ يتميَّز عن الأنواع السَّرديَّة المجاورة، على الرَّغم من الإقرار بوجوده، وهو ما نُلاحظه في قول الجاحظ، في “كتاب الحيوان”: «متى خرج من آي القرآن صار إلى الأثر، ومتى خرج من أثرٍ صار إلى خبر، ومتى خرج من خبرٍ صار إلى الشِّعر، ومن الشِّعر إلى النَّوادر، ومن النَّوادر إلى حِكم عقليَّة ومقاييس السَّداد»(1).

كما نُلاحظه في قول أبي علي القالي في مقدِّمة «الأمالي»؛ حيثُ يقول: «أودعتُه فنونًا من الأخبار، وضروبًا من الأشعار، وأنواعًا من الأمثال، وغرائب من اللغات. على أنِّي لم أذكر باباً من اللغة إلاَّ أشبعته، ولا فنًّا من الخبر إلا انتخلتُه»(2)

ونجده لدى الأصفهاني نوعًا من الأنواع الأدبيَّة؛ حيثُ يوضِّح أنَّه، في “كتاب الأغاني”، قد “أتى في كل فصلٍ من ذلك بنتفٍ تشاكله، ولُمعٍ تليق به، وفِقرٍ إذا تأمَّلها قارئها لم يزلْ متنقلاً من فائدةٍ إلى مثلها، ومتصرِّفًا فيها بين جدٍّ وهزلٍ، وآثار وأخبار، وسِيرٍ وأشعار مُتَّصلةٍ بأيَّام العرب المشهورة، وأخبارها المأثورة، وقصص الملوك في الجاهليَّة، والخلفاء في الإسلام”(3)

وتُشيرُ مدوَّنة الأدب العربيِّ إلى ظهور فنِّ الخبر في القرن الثَّاني الهجريِّ، مع بدايات التَّدوين- مع الإشارة إلى وجوده منذ العصر الجاهليِّ في أخبارٍ تروي تواريخ وخرافات- فثمَّة إجماع على كوْن عُبيد بن شَريَة الجُرهمي أوَّل من ألف كتابًا في الأخبار زمن معاوية بن أبي سفيان وبأمر منه؛ حيث “تروي المصادرُ أنَّ معاوية استقدم عبيدًا، وطلب منه أن يجيبَ عن جملة من الأسئلة المتعلِّقة باهتمامات النَّاس العامَّة، وما يُثير انتباههم من الأخبار، فانصرفَ عبيد إلى حكاية ما تواتر ممَّا له علاقة بأخبار الماضين والمُتقدِّمين، وملوك العجم والعرب، ثم دعا معاوية ديوانه وكتَّابه أن يدوِّنوا كلَّ ذلك، وممَّا يروى في هذا الشَّأن: «وفد عبيد بن شرية على معاوية بن أبي سفيان فسأله عن الأخبار المُتقدِّمة، وملوك العجم، وسبب تبلبل الألسنة، وأمر افتراق النَّاس في البلاد. وكان استحضره من صنعاء اليمن. فأجابه إلى ما أمر. فأمر معاوية أن يدوِّنَ، وينسب إلى عبيد بن شرية»(4).

ويرِدُ الخبر نفسه “بروايةٍ أخرى تجعل من عمرو بن العاص سببًا في استقدام عبيد بن شرية إلى معاوية بن أبي سفيان: «إنَّ معاوية كان مستشرفًا لأخبار حمير، فقال له عمرو بن العاص أين أنت عن عبيد بن شرية؟، فإنَّه أعلم من بقي بأخبارهم وأنسابهم، فكتب إليه يأخذ منه الأخبار؛ فألَّفها كتابًا»(5).

وكما جاء الأثر الأوَّل في شكل الخبر: «كتاب أخبار عبيد بن شرية الجرهمي» مُتضمِّنًا أخبار الأمم البائدة، وأخبار ملوك لخم، وكندة، وحمير، وغسَّان، جاء كتاب «التِّيجان في ملوك حمير» لوهب بن المنبه، بدايات التَّأليف، وقد ضمَّ هذا الكتاب إلى سابقه، ونشرا ضمن كتاب واحد؛ تشديدًا على أوجه التَّكامُل بينهما في المضمون، والتَّشابه اللافت في نهج الأخبار، والقرب في المسافة الزَّمنيَّة.”(6)

وتكشف هذه المصادر الأولى أنَّ الخبر ارتبط في بداياته بالتَّاريخ، وبكونه مصدرًا للمعرفة، ويُلاحَظ في هذه النَّشأة تداخُل شكل الخبر مع القصَّة والسِّير ورواية التَّاريخ، وهو ما سيظلُّ واضحًا في مراحل عديدة من تاريخ الخبر، ولم يكن الإخباري، لديهم، مَن يقتصرُ على سرد وقائع وأحداث تاريخيَّة فقط، يقول السمعاني في “الأنساب”: “يقال لمن يروي الحكايات والقصص والنوادر: الإخباري “(7)، وقد وُجِدَ الخبر في مصنَّفات عديدة بعضُها لم يتحدَّد التَّعيين الأجناسيُّ لها في عتباتها النَّصيَّة المركزيَّة، منها أعمال عديد للجاحظ؛ منها: “البخلاء”، «البرصان والعرجان والعميان والحولان» ومنها: «الأذكياء» لابن الجوزي، و«الكامل» للمبرد، و«الأغاني» للأصفهاني، «العقد الفريد» لابن عبد ربه، و«المكافأة» لأحمد بن يوسف الحصري، كما وُجِدَ في مصنَّفات أخرى شدَّدت عتباتُها النَّصيَّة على أجناسيَّته الخاصَّة، ومنها:«أخبار القُضاة» لأبي بكر محمد وكيع، و«المُختار من نوادر الأخبار» للمقري، و«لطائف الأخبار» للتنوخي،«أخبار الأذكياء، وأخبار الحمقى والمغفَّلين» لابن الجوزي، و«أخبار النِّساء» لابن قيم الجوزيَّة، و«أخبار الزَّمان» للمسعوديّ، و«أخبار مكَّة»، وعلى الرَّغم من تنوُّع موضوعات هذه المصنَّفات، واختلاف مضامينها، فإنَّها جميعًا تتقارب في بنيتها الفنيَّة وآليَّاتها وطرائق تقديمها، وهو ما أكدته الدِّراسات السَّرديَّة المُكرَّسة لدراسة هذا النَّوع السَّرديِّ في مدونة الأدب العربيِّ، ومن هذه الدِّراسات  دراسة محمد القاضي: «الخبر في الأدب العربيّ»، ودراسة سعيد يقطين: «الكلام والخبر”، ودراسة عبد الله محمد عيسى الغزالي: «المكوّنات السَّرديَّة للخبر الفكاهي في أخبار الحمقى والمغفلين لابن الجوزي»، ودراسة البشير الوسلاتي: «القصّ في أخبار الفرج بعد الشِّدَّة».

واللافت أنَّه على الرَّغم من التَّشديد على آليَّات محدَّدة في بناء خطاب الخبر فإنَّ  مفهوم الخبر لم يكن واضحًا ولا مُحدَّدًا في مدوَّنة الخطاب النَّقديِّ والنَّظريِّ العربيِّ القديم، والتَّحديد الأوضح لشكل الخبر نجده حديثًا لدى سعيد يقطين؛ حين ميَّزَ، في كتابه: «الكلام والخبر»، الخبرَ عن غيره من الأشكال السَّرديَّة العربيَّة القديمة: الحكاية والقصَّة والسِّيرة؛ فالخبرُ عنده أصغر بنية حكائيَّة، والحكايةُ تتكوَّن من مجموعةِ أخبارٍ تتراكم وتتصل، والقصَّة تتكوَّن من مجموعة حكاياتٍ، أمَّا السِّيرة فتتكوَّن من تراكم مجموعةٍ من القصص، وأوضح أنَّه «إذا كان الخبر أصغر وحدة حكائيَّة، فإنَّ الحكاية تراكم لمجموعة من الأخبـار المُتَّصلة، والقصَّـة تراكـم لمجموعـةٍ مـن الحكايـات، والسِّـيرة تراكـم لمجموعة من القصـص»(8)، كما فصل بين الخبر وبين هذه الأنواع السَّرديَّة استنادًا إلى آليَّات بنيويَّة تركيبيَّة، من أبرزها: الأحداث والشَّخصيَّات، فرأى أنَّ الحدث يتَّصل بالخبر والحكاية(9)، في حين ينصبُّ الاهتمام في القصَّة والسِّيرة على الشَّخصيَّة، والخبر لدى يقطين نوعٌ بسيطٌ، والحكايةُ نوعٌ مركَّب، والزَّمن في الخبر أفقيّ، وفي الحكاية أفقيّ وعموديّ، بينما رأى محمد القاضي أنَّ أهمّ ما يُميِّزُ الخبر هو ارتكازه على الإسناد الذي يُشكِّل جزءًا لا يتجزَّأ من استراتيجيَّته، وينزع إلى تغليب المشهدِ والقصِّ الإفراديِّ واستشفاف نمط الرُّؤية من خلف وتغليب نمط الرُّؤية المُصاحبة(10)

وإجمالاً يُمكن رصد أبرز خصائص الخبر السَّردية فيما يلي: «اعتماد السَّند، وعدم الامتداد في الزَّمن والمكان، والتَّركيز على الحدث بدلاً من الشَّخصيَّة، والتزام ترتيب محدَّد في البنية السَّرديَّة، وبساطة الأسلوب..(11)

فالخبرُ، إذًا، حكايةٌ صغرى، مستقلَّة، أو حكاية صغرى داخل حكاية كبرى، أو هو نقل واقعةٍ أو مشهدٍ، أو الإخبار عن حادثة محدَّدة، وبهذا يتميَّز عن شكل القصَّة الذي يتضمَّن حكاية أكبر بأخبار متعدِّدة، كما أنَّ التَّركيز على الحدث ضرورة أساسيَّة في خطابه، مع التَّشديد على وحدة الزَّمن والحدث، وقلَّة الشَّخصيَّات، والتَّكثيف؛ تكثيف البناء، وتكثيف الحدث، وتكثيف الأداء اللغويِّ، وهذا التكثيفُ يتحكَّم في بنية الزَّمن وبنية المكان، فالخبرُ وحدةٌ سرديَّة مكثَّفة، قد تكون حكايةً صغرى أو مشهدًا أو انطباعًا سرديًّا عن واقعة.

وقد أُهملَ الخبرُ حتَّى انصهر في الأشكال الأدبيَّة الأخرى، وأصبحَ أحد آليَّاتها البنائيَّة، ومع ظهور الصّحافة المقروءة والمسموعة والمرئيَّة اكتسب الخبرُ دلالةً جديدة، واللافت أيضًا أنَّه على الرَّغم من انتشار الدَّلالة الجديدة فإنَّنا لا نجدُ تحديدًا دقيقًا لمفهوم الخبر في مدوَّنة الصّحافة، سوى تعريف فاروق أبو زيد الذي يُحدِّد فيه الخبرَ- بعد أن يُشدِّد على أنَّ مفهوم الخبر يختلف من عصر إلى عصر؛ وبالتَّالي فلا يُوجد مفهومٌ جامعٌ مانعٌ ومحدَّدٌ له، وأن تبنِّي أيَّ مفهوم مُطلقٍ له ينطوي على تبسيط مُخلٍّ أو تجريد يتجاهل حقيقة التبايُن في الظُّروف والتَّفاصيل من عصر إلى عصر ومن مجتمع إلى مجتمع- بأنَّه “تقرير يصفُ في دقَّة وموضوعيَّة حادثةً أو واقعةً أو فكرةً صحيحة»(12)

ويُحدِّد عبد الجواد سعيد الأشكالَ الصّحافيَّة الخبرية فيما يلي:

 – الأخبار.

 – القصص الإخباريَّة.

 – التَّقرير الإخباري.

 – الصّور الإخباريَّة.(13)

ومن الدّلالة القديمة لشكل الخبر بين الأنواع السَّرديَّة وشكل الخبر الصّحافيِّ تتشكَّل دلالات شكل الخبر المتعدِّدة والمتحوِّلة؛ لتُعبِّرَ عن شكل سرديٍّ مُختزلٍ، يرصدُ ويعبِّر عن موقفٍ أو مشهدٍ أو حدثٍ، في أداءٍ دقيقٍ ومكثَّفٍ.

ويُمكننا أن نرى حضور شعريَّة الخبر على نحو واضح في مدوَّنة السَّرد الجديدة في سرديَّات صنع الله إبراهيم، وتحديدًا في رواية «ذات»، وتبرز لدى نجيب محفوظ في : «من أصداء السِّيرة الذاتية و«أحلام فترة النَّقاهة»، وفي مشهد القصيد النَّثريِّ تتجلَّى شعريَّة الخبر في تجلِّيات متعدِّدة، وفي صور عدَّة، منها:

– شعريَّة الخبر الحِكائيِّ:

وتأتي غالبًا في متنِ سردٍ مشهديٍّ يستعيد تفاصيلَ الحَدَثِ و وقائعيَّته، عبْرَ فِعْلِ (كان)، وعبْرَ ساردٍ عليم، وقد يكون هذا السَّاردُ شاهدًا على الحَدَث، أو مُشاركًا فيه، ومن هذه الشِّعريَّة هذا النَّصُّ لمحمد صالح:

«كان لديه أولادٌ

وهؤلاء كان لديهم أصدقاء

يُغافلون آباءهم

ويأتون واحدًا بعد الآخر

يُدخِّنون خلسةً

ويتلفَّتون حولهم في اضطرابٍ

وكان يفتح لهم

ويتذكَّر نفسَه في الطُّفولة»(14)

فقد جاء الخطابُ الشِّعريُّ في صورة حكايةٍ شعريَّةٍ قصيرةٍ، في تقرير إخباريٍّ،  يستعيد تفاصيلَ حياتيَّة دقيقة ودالةٍ، ومن هذه الشِّعريَّة أيضًا هذا النَّصًّ لمحمد صالح، أيضًا:

«كانت تُطالبه بأن يكون قدوةً

ولو في حضور الأطفال

وكلّ مرَّةٍ

كانت تُهدِّد بأنَّها ستتركُ البيتَ

عندئذٍ كان يتراجعُ

وهو يتخيَّل ما يُمكنُ أن تكون عليه الحالُ

في غيابها

هكذا تعلَّم أن يُخفي أشياءَه

وبدأ يكذبُ»(15)

إنَّه كذلك يستعيدُ تفاصيلَ إخباريَّةٍ دالةٍ من حياةٍ معيشةٍ، في بنيةٍ حكايةٍ شعريَّةٍ إخباريَّةٍ تتبجَّسُ شعريَّتها من علاقة التَّفاصيل داخل الصُّورة السَّرديَّة الكُليَّة للنَّصِّ، ومن هذه الشِّعريَّة أيضًا قول صلاح اللقاني:

«كان ثابتًا في الفضاءِ ثباتًا تامًّا، بينما ظلَّ يُرفرفُ بجناحيه بشكلٍ مُستمرٍّ، ورأسُه مُنحنٍ إلى أسفلَ، ومنقارُه مُسدَّدٍ إلى صفحةِ الماء، لم يكن أبو علي الصَّيَّاد يُمارسُ اليوجا، ولم يكن يسعى لتقليد ابن عربيِّ، بل رأى في العمقِ غنيمتَه؛ فآثرَ أن ينقضَّ كالسَّهم إلى الأعماق»(16)

فعبْرَ الرَّصد الموضوعيِّ الدَّقيق؛ الذي يلتحم فيه زمنُ الحكاية بزمن السَّرد، ويتمُّ فيه  تثبيت الزَّمن؛ لرصْدِ تفاصيل لحظةِ صيدِ/اغتيالِ الطَّائر، تتشكَّلُ شعريَّة النّصِّ الكُليَّة، في صورة حكايةٍ صغرى.

ومن هذه الشِّعريَّة كذلك، هذه الحكاية الشِّعريَّة الخَبَريَّة، لصلاح اللقاني أيضًا:

«في الليلة الأولى لاعتقاله، أصرَّ أبوه أن ينامَ على بلاط حجرةِ نومِهِ قائلا: مثلما ينامُ ابني أنامُ أنا» (17)

فشعريَّةُ الخطابِ أتت كذلكَ في شكلٍ حكائيٍّ خبريٍّ قصيرٍ ودالٍّ ومُفعمٍ بالإنسانيَّة.

ومن هذه الشِّعريَّة كذلكَ قول فريد أبي سعدة:

«كان مُستمرًّا في الكلام

وكانت تُميِّل فنجان القهوة

لتأخذَ الرَّشفةَ الأخيرةَ

رأت في القاعِ

الذي بدا كمرآةٍ من الفيميه

رجلاً آخر

يجلس وحيدًا ويبتسم

شردتْ قليلاً

ثم استئذنتْ

لتذهبَ إلى الحمَّام» (18)

لقد أتت التَّجربة الايروتيكيَّة في بناء حكائيٍّ إخباريٍّ بَصَريٍّ، أمينٍ في رصْد الحركة الخارجيَّة الدَّالة على أجواء الدَّاخل، في بناء تُشدِّد فيه شعريَّة الخبرِ على شعريَّة الصُّورة السَّرديَّة.

– شعريَّة الخبر التَّقريريِّ المُركَّز:

وتأتي في صورةِ خبرٍ بسيطٍ ودالٍّ، وشعريَّةُ الخبر هنا تقتربُ من بناء مفهوم الخبرِ الصّحافيِّ، ومنها قولُ صلاح اللقاني:

 «في الأفقِ دائمًا ثمَّة شيءٌ ما»(19)

فالخطابُ الشِّعريُّ في هذا النَّصِّ أقربُ إلى بناءِ المانشيت الصّحافيِّ، والخبرُ، في كثافتِه، ودقَّتِه.

– شعريَّة الخبر السَّرديِّ المَشهديِّ:

ويأتي الخبرُ هنا في بناءٍ سرديٍّ يُشدِّدُ على العناصرِ المكانيَّة الدَّالة في صورةٍ سرديَّةٍ مشهديَّةٍ، تتخفَّفُ من تتابعيَّة ووقائعيَّة الحكايةِ السَّرديَّة، ومنها قول محمد صالح:

 «كانوا كثيرين جدًّا

ولم يكن ليطمئنَ قبل أن يُغلقَ البابَ

ثمَّ من مكمنِهِ هناكَ

يُحاولُ أن يتعرَّفهم»(20)

فالحدثُ يتركَّز في رصْدِ مشهدِ المُطاردِ في مكمنِه، ومحاولتِه التَّعرُّف على مَن يطاردونَه.

ومن هذه الشِّعريَّة كذلكَ قولُ محمد صالح، أيضًا:

 «لم يكن الحوزيُّ وحدَه

فحتَّى المُهرةُ كانت تتطوَّح

والنِّسوةُ خليطٌ مُترجرجٌ

من الثِّيابِ والأثداءِ والعصائبِ

وغنجٌ فائح»(21)

فالخطابُ هنا يُشدِّد على رصْدِ الحركةِ الخارجيَّة الدَّالة لمشهدِ النِّسوةِ الرَّاكبات العربة الكارو، وهيَ تتطوَّح بهنَّ، في مشهدٍ تغلبُ عليه شعريَّة الإيروس، في بناءٍ شعريٍّ بَصَريٍّ يُشدِّد على شعريَّة الخبر السَّرديِّ المَشهديِّ.

ويجنحُ أداءُ السَّرد المَشهديِّ في شعريَّة الخبر المَشهديِّ أحيانًا إلى آليَّات فنِّ الرَّسم التَّصويريِّ، كما في قول أمجد ريَّان:

«كانت محطَّة القطارِ مُتهالكةً:

شبَّاكُ التَّذاكر المعدنيُّ غطَّاه الصَّدأ

ومِقعدٌ حجريٌّ قديم

فوقَهُ مِظلَّةٌ مثقوبة

وعلى المَدَى: القضبانُ كابيةٌ، والفلنكاتُ متآكلةٌ»(22)

فالنَّصُّ هنا لوحةٌ فنيَّة دالةٌ، تُجسِّدُ عالمًا قديمًا مُتآكلا مُنعزلا قاتمًا ومُوحشًا، في كثافةٍ تعبيريَّةٍ بَصَريَّةٍ دالةٍ، عبْرَ بناء لوحةٍ تتبدَّى شعريَّة السَّرديَّة الخبريَّة فيه من تكوين عناصر المشهد.

وعلى الرَّغم من تعدديَّة حضور شعريَّة الخبر في الشِّعريَّة العربيَّة الجديدة، فإنَّنا لم نجدْ أحدًا توقَّفَ عندها، سوى فريال جبوري غزول، في دراسةٍ بعنوان: «شعرية الخبر»(23)، رصدتْ فيها شعريَّة الخبر؛ بدلالتِه الصّحافيَّة، في ديوان: «صيد الفراشات»، لمحمد صالح.

 

 

الهوامش:

(1) الجاحظ- كتاب الحيوان- تحقيق: عبد السَّلام هارون- دار إحياء التّراث- 1969- ج1- ص: 93.

(2) أبو علي القالي- الأمالي- تحقيق: محمد عبد الجواد الأصمعي- دار الكتب المصرية- ج1- ص: 3.

(3) الأصفهاني- كتاب الأغاني- دار الكتب العلميَّة، بيروت- 1992- ج 1- ص ص: 1-2.

(4) حنان المدراعي- فنّ الخبر في التّراث النّثريّ القديم: المفهوم والتّطوّر- مجلّة: الرّافد- 11/2010، وراجعْ كذلك: أحمد أمين- فجر الإسلام- ص ص: 188-189- الطّبعة العاشرة- دار الكتاب العربي- بيروت، وراجع كذلك: ابن النّديم- الفهرست- دار المعارف، بيروت- 1978- ج1- ص: 132.

(5) حنان المدراعي- فنّ الخبر في التّراث النّثري القديم: المفهوم والتّطوّر- سابق،
و:ابن حجر العسقلاني، الإصابة، تحقيق: علي البجاوي، دار الجيل، بيروت 1992، ص 192.

(6) حنان المدراعي- فنّ الخبر في التّراث النّثري القديم: المفهوم والتّطوّر- سابق.

(7) عن: محمود تيمور- الأدب العربي الحديث- أشرفت على إخراجه: هيئة الدّراسات العربيَّة في الجامعة الأمريكيَّة – 1954- ص:24

(8) الكلام والخبر: (مقدِّمة للسَّرد العربي)، المركز الثّقافي العربي، المغرب 1997، ص 195.

(9)  نفسُه.

(10) محمد القاضي، الخبر في الأدب العربي:«دراسة في السَّرديَّة العربيَّة»، دار الغرب الإسلامي، ط1، 1998، ص 406.

(11) حنان المدراعي- فنّ الخبر في التّراث النّثريّ القديم: المفهوم والتّطوّر- سابق.

(12) د.فاروق أبو زيد- فنّ الخبر الصّحفي: دراسة مقارنة بين الصّحف في المجتمعات المتقدِّمة والنَّامية- دار الشّروق- بيروت- ط1-1981- ص:44.

(13) د.عبد الجواد سعيد ربيع- فنّ الخبر الصّحفي: دراسة نظريَّة وتطبيقيَِّة- دار الفجر للنّشر والتّوزيع- 2005- الفصل الثّاني من الكتاب، من ص:83: ص:103.
(14) محمد صالح – حياة عاديّة- أصوات أدبيّة، العدد: 305، الهيئة العامة لقصور الثّقافة- 2000 – ص: 46

(15) محمد صالح- صيد الفراشات- الهيئة المصرية العامة للكتاب- 1996- ص: 80

(16) صلاح اللقاني- ذهبُ الفراش- الهيئة المصريّة العامة للكتاب- 2015- ص 70

(17) السَّابق- ص: 74

(18) فريد أبو سعدة- معلّقة بشصّ- أصوات أدبيَّة، العدد:236، الهيئة العامة لقصور الثقافة- 1998 – ص: 87

(19) صلاح اللقاني- ذهبُ الفراش- سابق- ص:37

(20) محمد صالح- صيد الفراشات- سابق- ص: 12

(21) السَّابق- ص: 27

(22) أمجد ريَّان- عن الإسراف في الخيال- الهيئة المصريّة العامة للكتاب-2012- ص: 120

(23) فريال جبوري غزول- شعريّة الخبر- مجلة: فصول- يناير1997- ص ص: 191- 198

تعليق واحد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


Site is using the Seo Wizard plugin by Seo.uk.net ( seo.uk.net )