أشرف الجمال يكتب : قضية وجود الشر في العالم | موقع قصيدة النثر - kasedat-elnathr-site

أشرف الجمال يكتب : قضية وجود الشر في العالم

ppيي

 

قضية وجود الشر في العالم

( مبحث من كتاب : نقد أيديولوجية الإلحاد )

***

 –   مسألة وجود الشر من أقدم المسائل التي تحدث حولها الفلاسفة على اختلاف عقائدهم، وهي من القضايا التي اعتبرها كثير من الفلاسفة معضلة في مبحث المعرفة؛ فالشر حاضر بشكل واضح في عالمنا الذي ينتشر فيه القتل والظلم والأمراض والآفات وشتى أنواع الشرور، والإنسان الذي يمتلك ضميرا خاصا لا يمكنه أن يتقبل فكرة أن الشر شيء أصيل في هذه الحياة، وأن الحياة لا يمكن أن تكون إلا كذلك، ولا شك أن المؤمن الحقيقي يسلم بوجود حكمة وراء كل ما قدّره الله وأذن به في هذا الكون‘ هذ التسليم مرده توفُّر الأدلة الكافية- لدى المؤمن- على وجود الله ‘ فهو ليس تسليما أعمى وإنما بُني من يقينات معرفية مسبقة وأدلة عقلية مدروسة يرتكن إليها في إيمانه بأن الله موجود وأنه عادل ورحيم وحكيم‘وهو وإن استشكل عليه فهم حكمة وجود ظاهرة ما في هذا العالم فإن ذلك لا ينهض أن ينفي القضية برمتها وأن يسقط كل الأدلة والشواهد التي تؤكد وجود صانع لهذا الكون مقابل جزئية تمثل عائقا في فهم الحكمة من وجودها ؛ لأن قضية وجود الشر لا علاقة لها بوجود الإله كخالق للمادة والكون ومدبر لكل قوانين الوجود التي يعجز العقل عن ردّها للمصادفة‘وكذلك الأسرار المعقدة – التي سيأتي ذكرها – في خلق الكائنات الحية واستحالة أن تكون المادة خالقة لنفسها‘ أو أن تنشأ الخلية الحية من مادة غير حية تحت أي قانون يذكر أو أي شروط  تتوفر‘بعدما ثبت ذلك علميا بما لا يدع مجالا للشك‘وسيأتي عرضه في المباحث التالية تفصيلا .

     فقضية الشر إذن لا علاقة لها بوجود الإله وإنما بصفات الإله‘ أما لدى المؤمن فلا علاقة لهذه القضية حتى بصفات الله ؛ لأنه يعتقد يقينا بكمال الله وكلية رحمته وقدرته وعنايته‘وإنما للقضية علاقة فقط بالسؤال حول معرفة الحكمة من وجود هذه الشرور والآلام؛ من باب سؤال الملائكة ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) ؛ أي سؤال المتأدب عن معرفة الحقيقة التي يبدو ظاهرها مخالفا لمضمونها مع صحة اليقين بحكمة الفاعل؛ إنه سؤال الرغبة في المعرفة لا الإنكار أو الجحود‘أو وضع العبد نفسه مقام الألوهية ومحاسبة الله تجرؤاً بالإنكار عليه أو التعديل وافتراض البدائل إليه كأنما يدرك حكمة الصنعة أكثر من صانعها.. فقط يرغب المؤمن أن تُزَال أمام قلبه الحُجُب ليصل إلى يقين الكشف لا يقين الإيمان؛ فهذه مرحلة قد تخطاها المؤمن بتسليمه المبني على أدلة قوية أثبتت له قطعا أن الله موجود وأنه مبدع وقدير‘ يشهد له بذلك دقة الخلق في الكون من خلق الخلية الحية وحامض DNA ‘ إلى تلك القوانين الفيزيائية الكبرى التي تسير وِفْقها مائة مليون مجرة تنطوي على مليارات النجوم والكواكب تعمل بنظام ومدار حركي بالغ الإتقان دون أن تخل بقوانينها منذ أكثر من ثلاثة عشر مليارا من السنوات‘ وإذا رضي الملحد أو قَبِل عقلا أن يكون هذا الكون الرحيب بهذه القوانين معجزة الدقة التي يسير بمقتضاها‘وكذلك كل صور الحياة وتنوع الكائنات الحية فيها‘ومظاهر العناية من الأمومة والأجنّة وتكوين الجسم المعقد ووظائفه سمعا وإبصارا وتفكيرا وحسا ولمسا‘وأجهزة معقدة تعمل وفق قوانين مركبة ومتشابكة كجهاز الإبصار والقلب والرئة والجهاز الهضمي وخلافه‘ أقول إذا سوغ الملحد لعقله أن يقبل أن كل ذلك وما في الكون كله قد حدث بمحض الصدفة وأسلم عقله لها تسليما‘ متغافلا لا منطقية ذلك واستحالة تفسير كل ظواهر العالم بناء على المصادفة‘ فكيف ينكر على المؤمن أن يسوغ لنفسه أن يردَّ أمر ظاهرة واحدة فقط لا يفهم حكمتها إلى التسليم لعلم الله وسابق حكمته فيها..

     إن فكرة الانتخاب في اختيار الأدلة والوقوف مع الجزئيات هي سمة الكثيرين ممن يتبنون المنطق الإلحادي الذي يرفض عشرات الأدلة التي تثبت وجود الله لوقوفه مع جزئية عقلية لا تصلح أن تنفي كلية المعنى أو تطعن في ثبوتيته ؛ ذلك لأن الملحد ينطلق من خلفية مادية كرّست لها الفلسفة المادية التجريبية التي تُخضع العلم للتجربة على الظواهر الجزئية ثم تنطلق منها لإصدار أحكام عامة‘ وهذه السمة نلمحها مثلا في طبيعة تناول الملحد للنص القرآني‘ فأبكار السقاف- مثلا- في كتابها ( الدين في شبه الجزيرة العربية ) تعتمد على آلية الانتخاب تلك؛ فنراها تتقمش النصوص وتنتقي بعض أبيات الشعر في العصر الجاهلي أو بعض الحكم والمسجوعات التي لا تصل لأكثر من عشر مختارات ثم ترصد تشابها لغويا بينها وبعض آيات القرآن لتطلق حكما تعميميا تشير به إلى أن القرآن هو منتج بشري مستقى من التراث الأدبي الجاهلي‘وهو زعم من الفجاجة بما لا يقوى عليه حتى كُتّاب تلك النصوص الجاهلية الذين خطّوها أو عاصروها‘إذ وقف الجاهليون أنفسهم- من آمن منهم أو من كفر-أمام هذا النص في حيرة ودهشة تربك كل توقعاتهم عن فهم اللغة والسياق الذي أنتجها‘والأثر المختلف الذي يرسخه هذا النص في المتلقي بصياغة وديالوج فكري ولغوي مختلف عن كل نصوصية كتابية قد عهدوها. كذلك يفعل الملاحدة من انتقاء آية أو بعض الآيات في معزل عن السياق الكلي وأفق رؤية النص وفلسفته العريضة التي ينطلق للتعبير عنها ليثبتوا أن ثمة وجودا لخطأ ما‘ أو تضاربا في المعنى‘متجاهلين وضعية الآية في سياق النص القرآني كاملا‘والجدل الممتد بطول النص بين الله والعقل الإنساني‘ وصياغة الأدلة العقلية والوجدانية التي تهدف إلى إزالة غشاوة المعنى‘ وتحريك الروح واستنفار طاقتها للتلقي كنافذة معرفة أصيلة أودعها الله في الإنسان إلى جانب الحس والعقل‘عبْر خطاب لغوي فز ومبدع حد الإعجاز بما يتضمنه من حقائق في الوعي وفي الكون وجمالية تعبيرية فائقة ومتفردة متجاوزة عصرها .. ونحن إذ نضرب مثلا هنا لبيان آلية الانتخاب في الأدلة لدى الملاحدة لا نتطرق للتفصيل في مناقشة المثل ؛ فسواء كان المثل موافقا أم مخالفا فليس العبرة في المثل وإنما في صحة القضية التي يناقشها المثل ؛ وقد قال الحكماء : ( إن الجدل في المثَل من علامات جهل المُحصَّلين) .

 –  ودخولا في صلب قضية الشر يؤكد ما ذهبنا إليه ما صاغه الفيلسوف وليم لين كريج من معالجة منطقية للتحدى الاحتمالى لمشكلة الشر في العالم‘ وهل يصلح التعلل بوجود الشر في العالم دليلا على نفي وجود الله‘ أم أن الأمر فيه مخالفة لمعقول المنطق وتناقضا مع سلامة الاستدلال؛ يقول كريج :

« بما أن الاحتماليات تُقاس بمرجعية، فإن المرجعية الكاملة لقياس احتمالية وجود الله ليست فقط وجود الشر. إن تحديد لماذا يكون وجود الله محتملا أو غير مُحتمل هو أمر نسبى بين شخص وآخر. لأن مدى واقعية الاحتمال يعتمد على خلفية كل شخص. لنأخذ هذا المثال: أغلب طلبة الجامعات يشربون البيرة. “جو” طالب جامعى. إذن من المحتمل أن “جو” يشرب البيرة. هذا هو الاستنتاج بحسب المعلومات المتاحة لخلفيتنا الآن. ولكن إذا عرفنا أن “جو” طالب بجامعة مسيحية، وأن أغلب طلاب هذه الجامعة لا يشربون البيرة، إذن فالأكثر احتمالاً هو أن “جو” لا يشرب بيرة. هل ترى كيف يتغير الاستنتاج بناءً على المعلومات المتاحة أمامنا ؟ الاحتمالات يجب أن تُقاس بناءً على كل أجزاء الدليل وليس على جزء محدد منه. والآن بالنسبة إلى الله، فالموقف الإلحادى يدعي أن الله من غير المحتمل أن يكون موجود بناءً على وجود الشر. ولكن هذا سيكون صحيحا لو أن “وجود الشر” هو كل ما نملكه من أدلة؛ بكلمات أخرى: احتمالية وجود الله من عدمه لا يجب أن تُقاس بناءً على جزء من الدليل تم اختياره بطريقة انتخابية،وهو وجود شر فى العالم. لكن احتمالية وجود الله من عدمه تُقاس فى ضوء الدليل المتاح لنا بالكامل؛ المحاججة الكونية، المحاججة الوجودية، المحاججة الغائية، والمحاججة العقلية والأخلاقية تقدم لنا بقية أجزاء الدليل. وبالتالى فبناءً على المعلومات المقدمة من هذه الأدلة بجانب وجود الشر فى العالم فإن وجود الله يكون أكثر احتمالاً من عدمه»([1]) .

 

–  ولقد ربط بعض الفلاسفة مفهومي الخير والشر بالماهية والهوية؛ فقد سُمّي الخير خيراً لامتناعه عن التحول من ماهيته إلى الشر، والشر شراً لامتناعه عن التحول من ماهيته إلى الخير. وهما بهذا المعنى مفهومان منفصلان عن بعضهما ، لكن أفعالهما تخضع لمنطق السلب والتناقض والتداخل والتكامل،إذ بوسع فعل الخير أن يكون خيراً في ظاهره وشراً في جوهره وحقيقته الكامنة، و بوسع فعل الشر أن يكون شراً في ظاهره وخيراً في جوهره .فمن الخطأ إصدار أحكامٍ على أفعالنا وعلى الأشياء بأنها خيرة أو شريرة بالارتكان لظاهرها الذي تتبدى فيه؛ فثمة أفعـال تبدو خيرة في ظاهرها مع أنها أفعال شريرة في حقيقتها،وثمة أفعال تبدو شريرة في ظاهرها مع أنها خيرة في جوهرها .

وعلى هذا يمكن القول: إن الخيرية تطلق على ما يتصف به كل موجود من الكمال، فكل كائن ينزع بطبعه إلى كماله الذي هو خيرية هويته؛ أي أن الخير هو تحقق الشيء بهويته وماهيته؛ فالنار مثلا ضرورية لحياة الإنسان لتوفير الدفء والحرارة وإنضاج الطعام وغير ذلك‘ إلا أنها تحرق‘ ولو سُلبت منها خاصية الإحراق لكي لا يتأذى بها الإنسان أو سُلبت من الإنسان خاصية الحساسية للهب النار فإن معنى هذا أننا نريد تجريد الأشياء من ماهيتها ‘ وأننا نريد نارا ليست كالنار وإنسانا غير هذا الإنسان .

    وهذا هو أرسطو يقسم الموجودات من ناحية الخير والشر إلى خمسة أقسام :

1 ـ ما هي خير محض لا شرّ فيها أصلاً.

2 ـ ما كان فيها خير كثير وشرّ قليل.

3 ـ ما يتساوى فيها الخير والشرّ.

4 ـ ما كان فيها شرّ كثير وخيرّ قليل.

5 ـ ما هي شرّ مطلق لا خير فيها بتاتاً ([2]) .

ويصرّح أرسطو بأنّ الأقسام الثلاثة الأخيرة لا وجود لها مطلقا في عالم المخلوقات .

 

    إذن الخير هو القاعدة والشر هو الاستثناء‘والشر ليس شرا من كل الوجوه‘ وإنما هو شر من وجه وخير من وجه .

    وهنا سيقول الملحد: إن الشرور الموجودة في الكون سببها الله الذي خلق الكون بهذه القوانين‘وكان بإمكانه أن يخلقه بقوانين أخرى تتفادى وقوع الشرور. والرد على ذلك يكمن في أن الله ليس عاجزا عن خلق هذا الكون المثالي المفترض‘ لكن حكمته لم ترد أن تخلق الأرض كعالم ملكوتي خالٍ من الألم والشرور‘وهذا يرتبط بالغاية من وجود الإنسان ذاته ؛ فالأرض هي عالم الابتلاء والاختبار لإنفاذ مهمة الإنسان الوجودية باعتباره خليفة لله‘ فالمولى سبحانه قادر على خلق عوالم أبدية وخالدة لا آلام ولا شرور فيها وقد فَعَلَ هذا كخلق الجنة مثلا‘ وقادر أيضا على خلق كائنات لا تخطيء ومقهورة على فعل الخير كالملائكة مثلا ؛ لكن خلق الجنة والملائكة هما تجلٍّ لصفة الانفعال الوجودي؛ حيث الله الفاعل والجنة والملائكة منفعل لا فضل لهما ولا تجربة ولا حرية ولا اختيار‘ والله قد أرادت مشيئته أن يكون الإنسان مظهرا لتجلي الألوهية والوجود معا؛ أي تجلي الخالق وتجلي المخلوق لأن الإنسان مخلوق وأيضا خليفة الله في الأرض؛ وبمعنى آخر هو تجلي الفاعل والمنفعل في آن واحد ؛ فاعل في الطبيعة ومنفعل بها؛ يصنعها ويكتشفها ويقاومها ويتدخل لتعديل مسارها واستغلال قواها ؛ بل أحيانا يكون الشر في الطبيعة وكثرة مصائبها رد فعلٍ من الطبيعة لاعتداء الإنسان عليها‘ فمثلا التقدم الصناعي الذي قاد الإنسان قاطرته وما تخلف عنه من تدمير للبيئة هو من أهم أسباب كثرة الكوارث الطبيعية؛ الطبيعة هنا منفعل والإنسان فاعل. إن افتراض وجود عالم مثالي محض هو افتراض يتعارض تماما مع الغاية من وجود الإنسان وهي أن يكون الإنسان حرا ‘ وأن يكون انعكاسا للتجلي الإلهي والكوني ( فاعلا ومنفعلا ) ومعرفة الله بالعلم والمحبة ؛ ومنح الإنسان الحرية الكاملة لاختبار تجربته الوجودية‘وهذه الحرية تقتضي ألا يتدخل الله بسلب نوايا الإنسان الخيرة والشريرة على السواء ؛ لقد أراد الله للإنسأن أن يكون حرا وأن يتحمل تبعات حريته في فعل الخير والشر معا ‘ فلا معنى للحرية بنفي اختيار الإنسان أن يفعل هذا أو لا يفعله ‘ولم يرد للملائكة تلك الحرية لذا فهم مجبولون على فعل الخير فقط ‘ وأراد للجنس البشري ألا يكون قطيع خراف مستأنسا يحرسه الراعي‘ وإنما أراد الإنسان مخلوقا ناضجا ومسئولا يوجه ويقاوم الشرور ويختبر دفاعاته ويصيب ويخطيء ويتعلم وينفعل بالكون ويفعل فيه ؛ إذ غاية خلق البشر هي المحبة والمعرفة فقوله سبحانه:«وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون»([3]) ؛ كلمة (يعبدون)هنا تعني كما تقول معظم التفاسير:(يعرفون)؛ فالعبادة مفهوم يقتضي وجود معبود وعابد‘ولن يعرف العبادة من يجهل معبوده أو يجهل نفسه‘ وكما قيل:«من عرف نفسه عرف ربه» ‘ وكيف يعرف الإنسان نفسه في عالم قهري جُبلت فيه طبيعته قسرا دون حرية أو تجربة وجودٍ مسئولة وباحثة ومستفهمة وقارئة للتناقضات؛ وأي فضيلة تلك وأي منزلة سيكتسبها الإنسان في حالة قهر جبلّته على فعل الخير كالملائكة‘ فالحرية تقتضي الخطأ والصواب في التجربة الوجودية وكذلك المعرفة.

 

  والملحد في هذا السياق يفترض وجود عالم مثالي يحوّل البشر جميعا لنسخ متشابهة ‘ وقيم نمطية تكرارية لا تتمايز فيها قيمة عن أخرى‘ وينتفي معها بروز الحضور الإنساني وكفاحه الوجودي من أجل العرفان‘ ومن أجل التحقق بماهية الخلافة المسئولة باعتبار الإنسان هو أعظم تجلي إلهي في الوجود ؛ فيما يمنح الفهم الإيماني لوجود الشر خصوصية لكل إنسان بالنظر إلى أن لكل إنسان قيمة وحضورا خاصا ودورا فاعلا في تغيير العالم‘ والترقي في معارج المعرفة والمحبة والقرب إلى روح الإله ليكون ربانيا ؛ ينقل نفسه من طور الإنسانية بفعل الخير ومقاومة الشر إلى مقام الربانية التي تكتن العرفان والمحبة والخيرية المحضة ‘ وهذا هو ما يمنح الإنسان قيمته الوجودية وكينونته الجامعة لمادية الكون وتجليات الروح الإلهي ؛ فالله لم يخلق البشر ليعذبهم أو يقهرهم أو يسلب حرياتهم‘ وإنما خلقهم من باب الإنعام بإخراجهم من حيز العدم إلى حيز الوجود؛ ليمنحهم خلود الربوبية وأمانات المجاهدة في طريق الفهم والوعي والمعرفة بالوجود وخالقه. وكان بوسعه أن يخلق العالم كله جمادات لا تتألم وتُسبّح بحمد ربها. أما عن مسألة الجنة والنار وعذاب من كفروا وهو سبحانه أعلم بمصيرهم‘ فإن الله وحده هو من يقرر ويفصل في ذلك‘ وثمة آية قرآنية تقول:«قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم»([4])‘العلم مردود لله والعفو لإنعامه ورحمته التي بلا حد ‘ ما ينبغي أن يتيقنه العبد أن رحمة الله ستشمله وهذا من باب حسن الظن به سبحانه وتعالى‘ وكما يقول الصوفية : إن رؤية العالم هي حجاب المرء عن رؤية نفسه‘ ورؤية النفس هي الحجاب عن رؤية الله . فالتصور الصوفي يعكس فكرة أن الشر ما هو إلا الحجاب؛ أي كل ما يقطع العبد عن معرفة الله‘ لهذا نظر الصوفية إلى البلاء الواقع على البشر على أنه نعمة كبرى؛ لأنه في ماهيته يشد الإنسان نحو معرفة ربه ويقربه منه ؛ والتحقق بمقام العبودية القائمة على الرضا بالمحبوب وما يجريه عليه المحبوب سبحانه من تجليات أفعاله وصفاته‘ فيتحد بالمطلق وتحمّلات صفات الله. وقالوا إن البلاء إما تكفير للذنوب أو تهذيب للقلوب أو ارتقاء بمنزلة العارف ليصل إلى جناب القرب والفناء برب العالمين؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم:«أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» ([5])‘وقول الله سبحانه وتعالى: «أحسب الناس أن يُترَكوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتَنون»([6]).

 

– إن مفهومي الخير والشر يرتبطان بمفهومي الجمال والجلال ؛ وهما مفهومان في التصور الصوفي يعكسان تجليات الله سبحانه؛ فثمة أشياء في الكون تعكس جمال الله تعالى‘ وثمة أشياء أخرى تعكس جلاله سبحانه ‘ وقد يتبادل الجمال والجمال دورهما الوظيفي ويتداخلان تجليا في قراءة الواقع والممكنات؛ فالنار خُلقت لتحرق وهي مصدر من مصادر الألم ومع هذا كانت أسعد أيام سيدنا إبراهيم عليه السلام هي أيام وجوده بالنار التي أشعلها النمرود لحرقه عليه السلام‘ لقد تعطلت النار عن تجلى الجلال التي هي انعكاسه ماهيةً وانطوت على تجلي الجمال. كذلك عدم شعور النسوة بألم تقطيع أيديهن إثر الوقوع تحت تجلي الجمال اليوسفي‘ فالجمال هنا نَفَى سطوة الألم وحضوره‘ وهو جمال إنساني متعلق بشخص سيدنا يوسف عليه السلام‘ فما بالنا بتجلي الجمال الإلهي !! . الألم هنا ليس في الأشياء ذاتها وإنما في الحجاب عن الله ‘ فالعبد لو رأى ربه فيما يُبتلَى به لاستعذب البلاء؛ وكما يقول الصوفية : لو تجلى الله على النار لصارت أكثر الأشياء إسعادا ‘ ولو حجب تجلّيه عن الجنة لصارت أكثر الأشياء ألما . إذن فما الألم الناتج عن الأمراض والبلايا والكوارث- في فترة وجيزة من العمر لا تقارن بالخلود والأبدية – إلا محفز من الله للإنسان ليتقرب إليه عرفانا‘ ولينتقل من تجلي الجلال إلى سطوة الجمال في رحلة البحث عن الحقيقة عبر تجربة وجود ناضجة ومجاهدة تُبلَى بها سرائر البشر وتصقل بفتونها أرواحهم الطموح للاتصال بالمطلق الإلهي‘ وتلك غاية كبرى؛ أن يصير العبد ربانيا‘غاية تتطلب التجربة والامتحان‘ يقول الصوفية: وُضِعَت المنح في المحن . وتلك ضريبة خلافة الإنسان العارف عن الله ومسئولية الإنسان بالوجود‘ولذة الوعي وثمن الحرية التي تقتضي الخطأ والصواب ودفع ثمن الخلود الذي يأمله الإنسان إنعاما من الله.

  –  وبالنسبة للشرور التي ليس منبعها الإنسان ككوارث الطبيعة مثلا‘ والتي تبدو بلا معنى وبلا جدوى أو فائدة في نظر الملحد‘ يطرح وليام كريج نموذجا لمحاججة الملحد على النحو التالي:

   «- لو كان هناك إله كلي القدرة، وكلي المحبة، فإنه لن يسمح بوجود شر لا معنى ولا جدوى منه.

– هناك الكثير من الشر الذى بلا معنى وبلا جدوى فى العالم .

– إذَن الإله كلي القدرة وكلي المحبة غير موجود.

 

    لاحظ أن هذه المشكلة لا تتحدث عن الشر بشكل عام ولكن تتحدث عن وجود شر لا معنى ولا جدوى منه فى العالم. الموقف الإلحادى هنا سيتحدث مثلا عن موت طفل فور ولادته، أو سيتحدث عن عاصفة تدمر بلداً‘أو زلزالا يطيح ببعض البشر كبارا وصغارا‘وما إلى ذلك من مواقف صعبة يختبرها البشر.

لكننا يجب أن نتذكر شيئاً هاماً قبل معالجة هذه المشكلة: لا داعي لخلط المشكلة الفكرية للشر بالمشكلة العاطفية للشر. لا داعي أن نجعل تأثرنا بموت طفل فور ولادته ينسينا أننا نتعامل مع تحدٍ فكري. لذا من الضرورى التركيز فى الجانب الفكرى: وهو وجود كثير من الشر بلا معنى ولا جدوى فى العالم.

   والمشكلة الرئيسية أن الموقف الإلحادى يخلط هنا بين شيئين: وجود شر بلا معنى ولا جدوى فى العالم وما يبدو على أنه شر بلا معنى ولا جدوى فى العالم. بكلمات أخرى: ليس معنى أننا نظن أن هناك شرا بدون معنى ولا جدوى أن هذا الزعم حقيقى. وعدم معرفتنا بالأسباب المعرفية والأخلاقية الكافية لدى الله لحدوث هذا الشر الذى لا نفهمه لا يعنى أن هذه الأسباب المعرفية والأخلاقية الكافية غير موجودة. إنه فقط يخبرنا أن معرفتنا محدودة وقاصرة عن أن تُحدد .

   فنحن لا يمكننا أن نعرف ما إذا كان هناك شر موجود فى العالم بلا معنى وبلا جدوى دون أن نحدد ما إذا كان الله موجودا أم لا. أو بطريقة أخرى، نحن بذلك نحدد إجابة السؤال الذى سنسأله قبل حتى أن نسأله. لأن تقرير عدم جدوى بعض الشر الموجود فى العالم هو حكم مُسبق بأن الله غير موجود‘ وهذه مغالطة منطقية ومصادرة على المطلوب .

وبالتالي فإن المحاججة الصحيحة تكون على الشكل التالى:

– إذا كان الله موجودا فإنه لا يمكن أن يكون هناك شر عديم المعنى والجدوى فى العالم.

– الله موجود.

– إذن الشر عديم المعنى والجدوى فى العالم غير موجود»([7]) .

– وفي بعض الأحيان نعتقد أننا نستطيع أن نفهم لماذا يفعل الله شيئا، فقط لنكتشف مؤخراً أن الهدف كان شيئا آخر تماماً. فنحن ننظر للأحداث وللأشياء بنظرة أرضية وبعقولنا التي لا توصف بالإطلاق المعرفي‘ بينما الله ينظر بعلمه اللانهائي وحكمته السرمدية. مثلاً يسأل الملحد: لماذا خلق الله البشر وهو يعلم أن آدم وحواء سيخطئان ويجلبان الشر والخطيئة والعذاب علي كل البشرية ؟ لماذا لم يخلقنا لنعيش في السماء في كمال ومن غير عذاب؟ ورغم إيماني الشخصي بأن آدم وحواء لم يقترفا الخطيئة تدنيا‘ وأن ما يبدو أنه هبوط من الجنة إنما هو في حقيقته صعود لمعرفة الله‘وهو أرقى من الجنة هدفا وغاية- ولا مكان هنا للمقارنة بين معرفة الله وأي شيء آخر- أقول رغم إيماني بهذا إلا أن أبسط إجابة لكل هذه الأسئلة هي أن الله لم يرد أن يخلق جنسا من الآلات ليس لديها أي إرادة أو اختيار، ولكن أراد الله أن يقدم لنا اختيارات حقيقية من خلالها يمكننا أن نقرر ماذا نكون وإلام نسعى وكيف نحقق ما نسعى إليه وما الذي ينبغي أن تكون عليه قيمتنا في هذا الوجود .

  – وقد ذهب ابن سينا وابن رشد والغزالي إلى أن الشر والخير مفهومان متداخلان‘ يتأثران في التوصيف بطبيعة المتلقي والمفسر والواقع عليه تجليات الصفتين‘فما تراه أنت خيرا يراه غيرك شرا والعكس. ويؤكد الغزالي أن ثمة حكمة لله في وجود النقيضين‘وأن البشر لا يستطيعون على وجه التحديد تأكيد صفة الخيرية لشيء أو صفة الشر له ‘ وأنه لا علاقة للخير باللذة ولا علاقة للشر بالألم؛ فليس كل ما يؤلم شرا وليس كل ما نلتذ به خيرا ؛ وأن الله وحده هو من يملك إصدار الحكم على الشيء بكونه خيرا أو شرا ‘ وعليه فإنه ربما ما بدا في العالم من شرور هو ذاته عين الخير‘ يقول الغزالي :

  «الشر: هو الداخل على النفس من جهة الخير فيكون أولا خيرا ثم ينعكس .

ومن الخطأ أن نقول بوجود ارتباط ما بين الألم والشر أو بين اللذة والخير‘أو أن هناك اشتراكا بتواطؤ بين الأمرين‘ بل الذي يظهر من أمرهما أن هناك اشتراكا اسميا محضا بينهما؛ فلا مناسبة قط تكون بين الألم والشر أو بين الخير واللذة‘ بل إن كلا الأمرين مختلفان تمام الاختلاف‘والذي يوقع المرء في الخلط بين هذين الأمرين هو الوهم. فلا كل ألم شر كما ليس كل لذة خير‘ فرب ألم هو خير ورب لذة هي شر‘والذي يوهم بالخلط هم العوام أما الراسخون في العلم فيعلمون الأمر على جليته البينة .

ولا يوجد مقياس مشترك بين خيرية الأشياء وشرها بسبب أنهما من النسب الذهنية المتأرجحة بين عقول مترددة بين الأهواء‘ فلا جامع يجمع تلك الأهواء على هوى واحد‘ وبذلك نعرف خطأ مقولة المعتزلة بالتحسين والتقبيح العقلي .

فكان لا بدّ من أمر خارج عن طبيعة الأهواء البشرية لا تعتوره الشهوات والأوهام ويرى الأمور على كنهها الحقيقي لا بعوارضها الخارجة عن حقيقتها‘وهذا لا يكون إلا للرب سبحانه وهو أحكم الحاكمين‘  فهو الحاكم المطلق وهو من يقبح الأشياء ويحسّنها»([8]) .

 

 –  وختاما أود أن أشير في هذا المبحث أن ثمة تفسيرات متعددة للقضية وهناك أكثر من قراءة لها تختلف من شخص لآخر وفقا لطبيعة التلقي والأدلة التي يرتضيها الأشخاص وموقفهم المسبق بالإيمان بوجود الله أو عدمه‘ فمن يؤمن يقينا يعلم أن الله حكيم وأن الخير كله فيما اختاره الله‘ ومن يدخل بموقف مسبق بنفي وجود الله فلن يجد ما يؤمن به إلا نفي كل دليل والتمسك بقراءته الحرفية المباشرة للواقع‘ وهذه هي سمة الفكر المادي الإلحادي؛ وهي الإصرار على قراءة الواقع حرفيا وظاهريا دون الغوص للولوج لمعان أخرى فلسفية ووجودية تكتن بنية القضية وتوجه طبيعة التأويل لما وراء الظاهر لها.. فأي قراءة ننتظر ممن ينكر كل المجردات ويعتبرها خرافة كالله والروح والوعي والماهية وكل وجود فيما عدا المادة الصماء !.

 

[1] – وليم لين كريج – الإيمان المنطقي – ص 69 .

[2] –  يوسف كرم- تاريخ الفلسفة اليونانية- ص 249.

[3] – الذاريات :56.

[4] – العنكبوت : 2 .

[5] – صحيح البخاري – رقم 5324 .

[6] – الزمر : 53 .

[7] – وليم لين كريج- الإيمان المنطقي – ص 74 .

[8] – مجموعة رسائل الإمام الغزالي – تحقيق مكتب الدراسات بدار الفكر- بيروت – ص83 .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.


Site is using the Seo Wizard plugin by Seo.uk.net ( seo.uk.net )