عزت لبنه يكتب : مرتكزات التعبير الفني فى ديوان : من شارع جانبى | موقع قصيدة النثر - kasedat-elnathr-site

عزت لبنه يكتب : مرتكزات التعبير الفني فى ديوان : من شارع جانبى

14936982_10211075647955502_1918956837_n

مرتكزات التعبير الفني فى ديوان : من شارع جانبى

للشاعر إبراهيم موسى النحَّاس

دراسة نقدية للدكتور .عزت لبنه

يعد ديوان : (من شارع جانبي) لإبراهيم موسى النحَّاس تجربة من التجارب القلائل فيما يعرف بقصيدة النثر ؛ وذلك أن الشاعر يتسم بسمتين تعد كل منهما – منفردة – دليلًا على موهبته الشعرية  وتمكنه من أدواته :

اولاهما : بداية الشاعر مع الشعر العمودي ، وهذا يعني أن تحوله لقصيدة النثر لم يكن ناتجًا عن قصور أو عجز في الموهبة الشعرية ، وإنما عن اقتناع راسخ من الشاعر بأهمية الأشكال الشعرية الجديدة ، وما يمكن أن تضيفه من مجالات فسيحة أمام الشاعر، لا تسمح بها الأشكال التقليدية .

والأخرى : استطاعة الشاعر الحفاظ على قناة التواصل الشعري بينه وبين القارئ ؛ نتيجة لتمكنه من توظيف القيم الشعورية والتعبيرية في شعره ، وهو ما فقده كثير من شعراء قصيدة النثر ؛ للحاجز المرتفع الذي أقاموه بينهم وبين المتلقي ، بما ضمنوه لأشعارهم من لغة غامضة ، وصور مستغلقة تتسم بالإلغاز والتعمية ؛ والنتيجة التي ترتبت على ذلك أنهم لم يراعوا ظروف المتلقي الذي تربى على ذائقة معينة طوال تاريخه الأدبي ؛ ولم يمهدوا لهذه الطفرة المفاجئة ؛ فلم يستطع المتلقي أن يستوعبها ؛ فانصرف عنها ، وتولدت أزمة بين الشاعر والمتلقي حين انقطعت قناة التواصل بينهما .

لكن الشاعر ابراهيم النحاس في هذا الديوان استطاع – بشاعريته المرهفة وسيطرته على تشكيل الصورة – أن ينقلنا الى الجو النفسي وينقله إلينا ، من خلال الشكل الجديد للشعر المعاصر ، من دون أن يدخلنا في متاهة الغموض وعدم الفهم ؛ فاستطاع بذلك أن يحتفظ بالتواصل مفتوحة أدواته بينه وبين القارئ أو المتلقي ، من خلال اعتماده على مجموعة من المرتكزات ، تشكل في مجموعها الأسس التي وظفها الشاعر في التعبير الفني ونقل الفكرة إلى القارئ ، وهي تمثل خيطًا فنيًا تركه الشاعر؛ كي يمسك بطرفه القارئ ويسير وراءه ؛ ليفوز في نهاية الأمر بالتجربة الشعرية التي يريد الشاعر ان ينقلها اليه ‘ من خلال ثوب شعري لا يفصح عن مكنونه بسهولة المباشرة ، ولا يستغلق على المتلقي بغموض يتأبى على الفهم والتفسير .

 وقد بدأها الشاعر بشكل واع منذ الوهلة الأولى لوقوع نظر القارئ على الديوان ، وهذه الأسس تتمثل في :عنوان الديوان ، وصورة الغلاف ، والإهداء ، بجانب مرتكزان آخران من داخل متن الديون ، وهما : علامات الترقيم ، وتضافر اللفظة الموحية مع الصورة الشعرية ، ولعل الفكرة تتضح من العرض التالي .

 

أولًا : مرتكزعنوان الديوان

عنون الشاعرديوانه : (من شارع جانبي ) بهذا العنوان ؛ ليكشف النقاب عما يحدث في هذه الشوارع الجانبية ، من دون أن يشعر به الإعلام أو تتسلط عليه الأضواء ، بعيدًا عن الشوارع الرئيسة والميادين ، حيث بريق الأضواء المسلطة عليها ، والتكثيف الإعلامي الذي يرصد كل شاردة عنها وواردة إليها .

 وقد عبر الشاعر عن ذلك فى أكثر من موضع ، ففى قصيدة  : ” لاهثًا إلى قلب الميدان ” ؛ هروبًا من الشوارع  الجانبية ، وما يحدث فيها من تعدٍ آثم ، وظلم غير مرئى ، لا تراه الأعين ولا يرصده الإعلام ، يقول :

لاتنتظر وجود احتمال رابع

هنا

إما

أن تدغدغ الهراوات جسدك الغالى

أو تنجو لاهثًا إلى قلب الميدان

 أو فى لحظة فارقه

يخرج الموت من شارع جانبىّ

لاتنتظر وجود احتمال رابع

كأن تتمرد الكاميرا على المخرج

والمعد

وتسلط

((zoomعادلاً

عليك .

فالثوار في الشوارع الجانبية أمامهم خيارات ثلاثة لا رابع لها : إما أن تتكسر عظام أجسادهم من الهراوات وهو أمر الموت أرحم منه، وإما أن يموتوا في الخفاء دون أن يشعر بهم أحد فيكون موتهم بلا ثمن ، وإما أن يهربوا – ناجين بأنفسهم – من الشوارع الجانبية إلى الميدان ؛ لأن بقاءهم في الشوارع الجانبية لا معنى له ، ولا فائدة منه ، ولاقبل لهم بما يتعرضون له ، فضلًا عن حصوله في الخفاء ؛ فلا سبيل لهم إلا الميدان ، حيث يظهرون تحت الأضواء ؛ فيكون للموت معنى في هذه الحالة ، ويراهم الآخرون فيلهب حماستهم وإصرارهم ؛ فيصير ذا قيمة

وفى قصيدة : ” ليس هذا هو الميدان ” يقول :

الأصابع

تأخذ شكل المخالب

والدماء

تسيل على أحد جوانب الفم

الفريسة

تنتفض اسفل اللوحة

دائمًا مكانها

أسفل اللوحة….!!!

هل تشبع رغبة الآخر في البقاء؟!

أم ترضي بشكل ما

تعطشه لمنظر الدم

على الناب المتضخم؟!

أم بمحاولة يائسة

تحاول

أن تكتسب بعض التعاطف؟

لا

ليس هذا هو الميدان

ولا حتى الشوارع الجانبية

المحيطة به.

ولا يخفى عن القارئ الدلالات الإيحائية للالفاظ : (المخالب ) ، و (الناب المتضخم ) وهي خاصة بالمفترسات من الحيوانات والطيور، ومصاصي الدماء من البشر؛  ليرشح فكرة التعطش للدم التي هي من مرتكزات الديوان – كما سيتضح من الحديث عن مرتكز الإهداء -.وهذا ما يرفضه الميدان ويقاومه ، وتشاركه في ذلك الشوارع الجانبية .

 

ثانيًا : مرتكز صورة الغلاف(الصورة التشكيلية)

 مشهد صورة الغلاف مبنى محترق على ناصية  شارعين ، ومجموعة من الثوار، ويكتنف المشهد بكامله جو ضبابى شبه معتم ؛ نتيجة للدخان المتطاير من حريق المبنى ، والقنابل المسيلة للدموع ، وهو مشهد يعكس ما يحدث فى الشوارع الجانبية غير مرئي فى الميادين والشوارع الرئيسية  وقد أغفله الإعلام .

وهذا هو  المرتكز الثاني الذي يسيطر على المشهد من خلال ” اللوحة ” المعبرة عن الأحداث ، وقد عبر الشاعر عن ذلك فى أكثر من مشهد وبأكثر من طريقة ، فجاء التعبير مباشرًا بالتصريح بلفظ ( اللوحة ) وحقولها الدلالية من الرسم والألوان وغيرها ، فى بعض مقاطع القصائد ، ففى قصيدة : (ليس هذا هو الميدان ) يقول :

الأصابع

تأخذ شكل المخالب

والدماء

تسيل على أحد جوانب الفم

الفريسة

تنتفض أسفل اللوحة

دائمًا مكانها

أسفل اللوحة ….!!!

وكما هو واضح أن الشاعر يركز تركيزا لافتًا للنظر على لفظ اللوحة ، وصرح به أكثر من مرة في موضع واحد ؛ لينبه القارئ من بداية الأمر إلى أن اللوحة عنصرا رئيسًا من عناصر التعبير الشعري لديه .

وفى نهاية القصيدة نفسها يقول:

هل من الممكن

أن تتجمع قطع الفسيفساء

لتشكل اللوحة التى أعرفها .

مستنكرًا تشكيل اللوحة التي يجب أن تتشكل بشكل صحيح ؛ استجابة لمطالب الثورة .

وفى مطلع قصيدة ” نقش فرعونى قديم ” يقول معبرًا عن المحاولات المتكررة لطمس اللوحة والثوار في آن واحد:

لم تكن لحظةً

بديلًا منطقيًا عن أعمدة الإنارة

أو مرسمًا

لعرض جنونهم

أو تحديًا بريئًا

لمحاولات طمسها / طمسهم

وفى قصيدة ” عن حدود التشوه ” يقول :

وماذا ستفعل

لتغير بعض تفاصيل اللوحة

تنأى بها

ـ ولوقليًلا ـ

عن حدود التشوه

مؤكدًا بذلك المعنى الذي يلح عليه دائمًا ، وهو اللوحة المشوهة التي لا تتآلف عناصرها ، ولا يكتمل رسمها .

وفى القصيدة نفسها يقول :

وهم يجعلون اللوحة

رمادية

تتوه خطوطها

تتمزق بين الأيادى

مؤكدًا للمرة الثالثة فكرة تشوه اللوحة وعدم اكتمالها  بجعلها رمادية ، باهتة الألوان ، تائهة الخطوط ، غير واضحة المعالم ،ولم ينته الموقف عند هذا الحد ؛ بل انتهى بمشاركة جميع الأيدي في تمزيقها ، وعودة الأمور إلى مرحلة الصفر ، وكأن شيئًا لم يكن ، وتتبخر تضحيات الثورة ، ويضيع معها الحلم ،ويسيل دم الشهداء ليروي أرض الثورة دون أن تُنبِت شيئًا .

وأحيانًا يرسم اللوحة الشعرية من خلال عناصرها ؛ غير مصرح بلفظها ؛ من خلال اللون والحركة والظلال .

 يقول فى قصيدة : ” عن حدود التشوه ” :

أأصدق ماتراه

وهم

يخرجون من عباءاتهم

يرسمون

بورتريهات جديدة

هل كان الحق معهم

وهم يرفضون

ملامحها….

تداخل الألوان

وتوظيفها ؟!!!

وهذان المرتكزان لفت الشاعر النظر إليهما قبل بداية الديوان ، فمرتكز اللوحة لفت النظر إليه فى الغلاف ، ومرتكز ” الدماء” لفت النظر إليه فى الإهداء.

 ثالثًا  : مرتكز الاهداء

ونص الاهداء كما ورد في بداية الديوان : ” إليها الدماء التى أبت أن تهدر سدى حتى نتعرى أمام أنفسنا “

    والحديث عن الدماء مرتكز أساسى من مرتكزات الديوان ، ففى قصيدة  ” مذكرات كلمة فى ميدان التحرير  ”  يقول الشاعر :

جاء الوقت

كى أقولها

 لاتمروا بأحذيتكم

على هذا العشب

العشب الذى ارتوى

بدماء

كان سلاحها الوحيد

كلمة (ارحل)

 وكأن الشاعر يلفت نظر السائرين على العشب المرتوى بدماء الشهداء إلى قداسة هذا العشب ؛ لأنه ارتوى بهذه الدماء الزكية فأكسبته نوعًا من القداسة التى تحرم وطأه بالأقدام ، وهو فى هذا يذكرنا بقول أبى العلاء :

                                     خــفف الوطء فما أظــن أديـــــــم                 الأرض إلا من هذه الأجساد

                                     وقبيح بنا وإن قـــــدم العـــــــــهد                 هوان الآبـــــــــاء والأجـداد

                                    ســر ان اسطعت في الهواء رويدًا                 لااختيالًا على رفات العــباد

وفى قصيدة  : لاهثًا إلى قلب الميدان  .  يؤكد الشاعر فكرة القداسة لدماء الشهداء ؛ لأنها وقفت عزلاء دون سلاح فى وجه الطغاه ، يقول:

الدماء

التى وقفت

وحدها فى وجههم

ثم يتساءل متعجبًا عن سبب تشويهها ، وتضييع معالمها ، على الرغم من أنها أعادت إلينا عزتنا وكرامتنا ؛ فلا تستحق منا هذا الجزاء الغادر:

الدماء

التى غرزت كرامتنا

لماذا يتلاعب البعض عن قصد

ليرسموها

هكذا ….

بالأسود فقط ؟!

يمحون اللون الأحمر الذي يدل على التضحية والفداء ، ويرمز الى الحرية ، ويطمسونه باللون الأسود الذي يمتلك القدرة على إخفاء جميع الألوان الأخرى وطمسها .

وفى قصيدة  🙁 ليس هذا هو الميدان ) : يؤكد المعنى نفسه فيقول :

الأصابع

تأخذ شكل المخالب

والدماء

تسيل على أحد جوانب الفم

الفريسة

تنتفض أسفل اللوحة

دائمًا مكانها

أسفل اللوحة ….!!!

ثم يتساءل فى القصيدة نفسها عن الدافع وراء هذه الوحشية الظالمة المتعطشة للدم من مصاصي الدماء   قائلاً :

هل

تشبع رغبة الآخر فى البقاء

أم ترضى بشكل ما

تعطشه لمنظر الدم

على الناب المتضخم ؟!

أم بمحاولة يائسة

تحاول أن تكتسب بعض التعاطف؟

وفى قصيدة ” بين سلال القمامة ” يصور دماء الثوار التي تتوق إلى فجر جديد ، وتغيير نحو الأفضل ، فى محاولة يائسة ؛ لايجاد أحياء جدد بين الموتى فى سلال القمامة ؛  كى تعتبرهم انطلاقة  لبداية التغيير المنشود ، فيقول:

مرة أخرى

يعيدونك إلى شفقتك

هم مجرد موتى

وأنت مثلهم

ومنذ متى

وأنت تفتش بين سلال القمامة

ممنيًا دماءك

بأحياء جدد بينهم ؟!!! .

وفى قصيدة : ” لم ألتفت لسخريتهم ” يتحدث الشاعر عن الذين أوصلونا إلى هذه النتيجة (دماء الشهداء ) بسبب ادعائهم المعرفة والعصمة من الخطأ ؛ وعلى الرغم من ذلك لم يعترفوا بجهلهم ، ويحاولون أن يعالجوا الأمور بإضاعة المعالم ؛ كى لايستطيع أحد أن يفهم شيئًا ، فتتوه الحقائق وتقف العقول مشلولة عاجزة عن تحديد موضع الخطأ وفهم ما يحدث ، ويتساءل فى نهاية القصيدة لماذا ادعينا المعرفة ونحن جاهلون وأكملنا مشوار الجهل والادعاء حتى وصلنا إلى إراقة الدماء . يقول .

ليسوا أنبياء

ليتلقوا الأمر

أويفهموه

وبتلقائية أنكروا ” ما أنا بقارئ “

وهم يجعلون اللوحة رمادية

تتوه خطوطها

تتمزق

بين الأيادى

لايدَّعِى القولَ:

(دعوها فإنها مأمورة ) على الأقل

هل تعرف طريقها جيدًا

فلماذا

باسمها

نجر العربة معًا

كل هذه السنوات

إلى الدماء؟!

ولا يخفى على القارئ التناص للمأثورات النبوية الشريفة ؛ لتوظيفها في التدليل على ادعاء المعرفة من قبل القائمين على مقاليد الأمور،  وصبغ جهلهم – في الوقت نفسه – بصبغة الشرعية والقداسة ؛ كي يستطيعوا إخراس الألسن عن التعليق أو الاستفسار ، وشل العقول عن الاجتهاد أو الفهم .

وفى قصيدة ” عن حدود التشوه ” يقول :

للمتعة صور شتَّى

وليمة من لحم الأخ

صلاة صحيحة

إمامها يتوضأ بالدماء .

والشاعر هنا متأثر بثقافته الإسلامية فهو يذكرنا بقول الله تعالى : }  أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه { وفي الوقت نفسه يعكس دموية المشهد إلى الحد الذي يجعل من الدم بديلًا من الماء للوضوء والطهارة للأئمة ، فما بالنا بالمصلين ؟!!!  وهكذا نري الشاعر اعتبر الإهداء أساسًا ركينًا من الأسس التي أقام عليها بناء الديوان .

رابعًا : مرتكز علامات الترقيم :

       وظف الشاعر علامات الترقيم توظيفًا ذكيَّا فى عدة مظاهر ، أولها : حذف بعض المفردات ووضع نقط مكانها ؛ لكي يطلق العنان للقارئ ؛ ليكملها ، أو يتخيلها ؛ أو لأنها مفهومة من السياق يعرفها المتلقى بدهيَّا ؛ أولأن الشاعر لم يشأ أن يصرح بها لأسباب  معروفة ، ولم أشأ أنا أيضًا أن أصرح بها ؛ احترامٌا لعقل القارئ ؛ وكيلا أحرمه من حق منحه الشاعر إياه في التفكير والمشركة في التفسير .

ففى قصيدة ” تحتضنها دون خوف ” يقول :

تتجاوز

ذوى الأطراف الكثيرة

بأذنابهم

بآذانهم الرفيعة الطويلة

وأنوفهم التى ….

وحذف الصلة بعد الموصول الذي يصف الأنوف مدللًا على المحذوف بوضع نقط مكانه .

وفيها  : تستمتع بشرائح (البيتزا ) وحدك

تسحب القطار إلى ….

أو ما قبل المحطة الأولى.

وحذف الغاية التي ينسحب إليها القطار .

وفيها : للجنون رونقه

        والتعرَّى مؤلمٌ جدًا

        هل تغتسل

وأنت مغطى بكل هذه ال….

تستطيع

 أن تبصق فى وجه الريح

      وفى قصيدة ” مذكرات كلمة فى ميدان التحرير ” :

حين

قام بعملية الاغتصاب هكذا

حين

سرق الهدأة من رحم الليل

لم ينجح

فى تحرير الجملة الخطأ : (فين أيام ….؟)

وحذف بقية الاستفهام تاركًا تخمينها للقارئ .

        وفى قصيدة ” لاهثًا إلى قلب الميدان ”  :

كل يوم

نقاش يتحول

لإخطبوط من حزن

لايجيد حرفة النجارة

فيصنع سُلَّمًا

للانضمام

ـ  فوق جثث نسوها ـ

إلى …..

بقية القطيع

من الغربان.

    وفى قصيدة ” لاذنب لى “

(ماسبيرو)

من أقنع المراكب الليلية

بنزهة غبية فى القاع محاولًا

أن ينسى

(كانت هنا حياه)

يبدل حلم العاشقين

على الكورنيش

ب…..

و…..

هكذا…..

      ثم يقول فى النهاية :

لقد عادوا اليوم

إن لم يجدوا…..

يصنعوه .

 ويأتى توظيف علامات الترقيم متخذًا مظهرًا آخر وهو كتابة الكلمة مجزأة  فى هيئة حروف ،  بشكل سُلَّمِىٍّ متدرج إلى أسفل

ففى قصيدة ” مذكرات كلمة فى ميدان التحرير :

وبينما

يطلق الخفافيش

من محبسها

نسى

أن واحدة

من صفحات  سوداء

                          ع

                              د

                                ي

                                    د

                                        ة

                                           قد

                                              انتهت .

وهى تعطى إيحاء بالتنوع الكيفى والتنوع الكمى ، بالاضافة إلى طول التاريخ الأسود ، عن طريق رسم الكلمة مجزأة فى صورة حروف

 وفيها :

وبالبيادة التى اهترأت

وبعض نجوم

سقطت من على الكتف

وحجرات تعذيب احترقت

أدرك

أن المسافة

بين الكلمتين

                 ب

                     ع

                        ى

                            د

                               ة

لاعطاء إيحاء ببعد المسافة بين كلمتي: ( الوطن والنظام ) وانهيار التلازم والتماسك بين اللفظين ؛ لبعد النظام عن معنى الوطنية .

    وفى قصيدة ” ليس هذا هو الميدان ” يتحدث عن موت الشهداء فى السر دون أن يعلم بهم أحد ، يقول :

هنا

لم يفتح الموت

نافذة للخلود

هنا

مستنقع

          ل

               ل

                      ت

                             ش

                                    ظ

                                           ي

لكى يعطى إيحاء بموت الشهيد على هيئة أشلاء تتفرق ، وتضيع بذلك معالمه ، ولايعلم به أحد ؛ وقد لايمكن تجميع أشلاء جسده الذى تناثر ؛  فضاع  فى المستنقع .

خامسًا : مرتكز تضافر الصورة الشعرية مع اللفظ المشع :

توظيف المفردات : من المرتكزات الأساسية التى أقام عليها الشاعر ديوانه من خلال الوصف بمفردات تشع من داخلها لوازم إيحائية معينة تثرى المعنى بالدلالات والايحاءات مع كثافة اللفظ وفي الوقت نفسه تتضافر مع الصورة الشعرية التي تحيط بها .

        يقول فى قصيدة ” مذكرات كلمة فى ميدان التحرير ” متحدثًا عن فتاة ثائرة :

كالآخرين

وقفت فى قلب الميدان

تساعد فى إسعافه

وهم يخرجون الرصاصة الغبية

من قدمه اليمنى

الرصاصة التى

شارك مع غيره

فى دفع ثمنها

من بعض راتبه .

     وقد وصف الشاعر الرصاصة بالغباء ؛ لأنها أصابت صاحبها الذى دفع ثمنها للدفاع عنه وحمايته ، وتركت ما كان يجب أن تتوجه إليه وتصيبه ، وفى ذلك توظيف ذكى للوصف بالغباء وتضافر بين الصورة واللفظ لنقلها الى القارئ .

    وفى القصيدة نفسها :

فى حجرة العناية المركزة

لملمت الكلمة حاجياتها

بهدوووووووءٍ

وتركت

لغة الأيادي

نائبًا عنها .

   تعبيرًا عن تحول الأمور للعنف بدلاً من السلمية ، فقد كانت لغة التفاهم بالكلمة ؛ تعبيرًا عن المطالب الثورية ، ثم تحولت إلى العنف ؛ نتيجة التسويف وعدم الاستجابة ، والرد العنيف بالسلاح والرصاص  .

  وفى القصيدة نفسها :

بيادة سوداء لامعة

وبعض نجوم مطفأة

على الكتف

وحجرات تعذيب سرية

حاول

أن يعطى لكلمتين مدلولَا واحدًا : (الوطن والنظام)

                والشاعر بذلك يريد أن يقول إن الأمور قد انقلبت رأسًا على عقب ؛ بانطفاء ما يجب أن يكون لامعًا ، ولمعان ما من طبيعته الانطفاء ، وقد قام ضابط الشرطة بحماية النظام الظالم بدلاًمن حماية الشعب المظلوم ، محاولاً المغالطة بالربط بين حماية الوطن وحماية النظام ، وتقليص مفهوم الوطن فى النظام وحده ، وإلغاء الشعب الذى يملك هذا الوطن .

   وفى نهاية القصيدة :

الشباب

وهم ينظفون

بصمتهم

يبهرون العالم

يكتبون

أروع قصيدة

لحضارتهم.

         وهو هنا يتحدث عن تغير المفاهيم لدى الشباب  وهى أن العبرة بالفعل دون الكلام لا بالكلام دون الفعل ؛ لأن الفعل يعبر أبلغ من الكلام ، بل ويبهر العالم حين يبرز ارتقاء السلوك والتفاني وإنكار الذات.

          وفى قصيدة ” لاهثًا إلى قلب الميدان ” يقول :

الشمس

وقد قبلت

ببرود شديد

أن تشارك القنابل المسيلة للدموع

إيذاءك

الليل

وقد سمح لنفسه

أن يخفى الخفافيش

على أسطح العمارات.

وكأن الشاعريصور الاصرار حتى الموت من قبل الثوار – على الخلاص من هذا الواقع – الذين تجمعت عليهم جميع الظروف المحيطة ، حتى الظواهر الطبيعية  ؛ فالشمس تؤذى نهارًا بحرها  ، والليل يؤذى ببرودته وظلامه الذى يتستر على الخفافيش التي لا تنشط إلا ليلًا في الظلام –  فوق أسطح العمارات ؛ كى تقتل الثوار ؛ وكأن الشمس والليل تخالفا مع النظام  ؛ لسحق الثوار .

وفى موضع آخرمن القصيدة نفسها :

الدماء

التى غرست كرامتنا

لماذا

يتلاعب البعض عن قصد

 ليرسموها

هكذا….

بالأسود فقط ؟!

وهو مقطع يعكس إنعدام وجود الكرامة ، فأوجدتها دماء الشهداء ، ولم تكتف بذلك ، بل أعطتها نوعًا من الشموخ وطول البقاء ، لأن الغرس للأشجار المعمرة الشامخة ، وكأن هذه الدماء أعادت كرامة المصريين وأكسبتها شموخًا وخلودًا .

       وتعبير الشاعر عن رسم الكرامة من قبل البعض باللون الأسود ، كي يلفت النظر إلى محاولة هؤلاء البعض إعطاء مسحة من التشاؤم والحزن وإعتام الصورة من ناحية ، ولطمسها وإخفاء أى لون من ألوان التفاؤل من ناحية أخرى ؛فتنطفئ شمعة الأمل في الخلاص من الواقع المرير وتظل الأمور على ما هي عليه .

              ففى قصيدة : ” عن حدود التشوه ” ، يقول :

 للمتعة صور شتى ….

أوركسترا

يعزف كل فرد ما يراه .

   دليل على التفرق ، وعدم الاتحاد ، والفوضوية ، والنشاز . وهكذا استطاع الشاعر أن يوظف الألفاظ التي تشع معاني معينة تلازمها وتدور في فلكها ، ووظف معها الصورة الشعرية ، ووحد بينهما في نسيج شعري ، نجح أيما نجاح في إيضاح الفكرة ونقلها إلى القارئ ، راسمًا بذلك صورة شعرية معبرة بجانب الصورة الفتوغرافية  التي سبق أن نسق بين عناصرها .

ولا يخفى على القارئ وجود مرتكزات أخرى كالرمز والتناص وغيرهما ، وقد المحت إليهما في ثنايا الحديث عن المرتكزات الخمسة ، ولم أشأ أن أخصص لها حديثًا خاصًا حتى لا أطيل على القارئ .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


Site is using the Seo Wizard plugin by Seo.uk.net ( seo.uk.net )