أشرف الجمّال يكتب: “نفق سري”.. الحياة بين الحلم والرمز | موقع قصيدة النثر - kasedat-elnathr-site

أشرف الجمّال يكتب: “نفق سري”.. الحياة بين الحلم والرمز

 

المجموعة تعيد تشكيل الواقع في دوائر العقل الباطن ببناء لغوي ودرامي متعدد الدلالة للبوح عن المسكوت عنه

تتسم مجموعة “نفق سري” للكاتب مصطفى سليم، الصادرة عن منشورات الربيع في القاهرة، بإيقاعات لغوية ودرامية متنوعة في تشكيل نصوصها، لتعيد تجسيد الواقع بين الحلم والرمز عبر لغة حية، تكشف عن رؤية وأدوات معرفية خاصة. لعل أبرزها اختلاف قالب التقنية الأدبية التي عبر من خلالها الكاتب عن تجربته ورؤيته للواقع؛ فقد استخدم قالب السرد القصصي الممتد الذي يعتمد الأقصوصة شكلًا بنائيًا، يمثل كل منها وحدة صغيرة في بنية النص، بحيث تعد كل أقصوصة تجليًا في انعكاس كلية الرؤية وشمولية البناء السردي.

وظّف الكاتب اللغة القصصية بشكلها المكثف، الذي يعتمد على الرمز للتعبير عن رؤيته، متخطيًا الدلالة الوضعية المعجمية لكثير من المفردات، لتتناسب لغة القص مع طبيعة السرد، الذي يراهن فنيًا على منطقة الحلم واللاوعي للبوح عن المسكوت عنه، الذي يشكل أرق الذات الكاتبة، وأزمتها الوجودية وألمها، وإخفاق الواقع وانكسارات الفرد في ظل طغيان المدنية، ورسوخ مفاهيم الجماعة وتكلسها، وعدم قدرتها على استيعاب الحلم والتمرد والرؤى الفردية التي تتطلع إلى الوجود.

تضمنت المجموعة أكثر من خمسين قصة وأقصوصة، يمثل الكاتب السارد المركزي في معظمها، ما يعد إشارة لتقوقع الذات حول نفسها، وبحثها عن تكريس هوية فردية تقاوم انسحاق الواقع، عبر الحكي كوسيط فني لصناعة عالم موازٍ مقابل العالم الواقعي، الذي يمثل ضغطًا على الذات، ومسرحًا لتجلي الإخفاق وعدم القدرة على المواءمة والتعايش.
استطاع الكاتب بلغة متميزة أن يتحرر من البلاغة الكلاسيكية، التي تعتمد على التشبيه والاستعارة والتلاعب اللغوي الشكلاني المليء بالمحسنات اللفظية؛ مستخدمًا لغة خاصة تتميز بطابع صوفي وظلال شعرية تفتح أفق الدلالة.

“نفق سري” قدمت أيضًا خطابًا معرفيًا متنوعًا داخل قصصها يخرج بها الكاتب عن نمطية الرؤية والسرد، إذ اشتملت المجموعة على أكثر من ثماني قصص ذات طابع صوفي؛ منها (الحضرة، والمريد، والحالم، والضباب، وحضن الجبل). تضمنت كذلك أكثر من عشر قصص ذات طابع وجودي؛ منها (مسار إجباري، والمطاردة، وزيارة متكررة، ومدينة الموتى، وشباك رقم 5). وقصصًا أخرى ذات طابع رمزي تمثل تيار اللاوعي والحلم، وفقًا للمفهوم الفرويدي، منها، (الكابوس، والقرين، وذات، وحلم، والفراغ، والوسواس). تناولت أيضًا القصة الواقعية بإسقاطاتها على المعيش واليومي بكل ما يحمله من معاناة تمثل حياة الفرد المعاصر؛ منها (الأجير، والعمدة، والقانون، ورصاصة البدء، والساخر).

تشير هذه التنوعات في قوالب التقنية والرؤى، ولغة التعبير إلى ثراء النص فنيًا، وقدرة الكاتب على ترويض لغة السرد لاستيعاب معطيات المعرفة بروافدها المختلفة، وسعة مساحة التناقضات في الواقع والوجود؛ إذ راهن الكاتب على تقنية التضاد لإظهار المعنى في كثير من قصصه، مثل (الشيخ والمريد)، (الحلم والواقع)، (الحياة والموت). غير أن الكاتب في بعض قصصه استجاب لفكرة الانسحاب والهروب من الواقع، أيضًا استجاب إلى التسليم ببعض الإجابات الوجودية الجاهزة. ورغم كثافة لغة القص وإيجازها فإن بعض القصص لم تخل من زوائد سردية تقريرية تمثل عبئًا على النص كان يمكن الاستغناء عنها، لا سيما أنها أحالت بعض القصص إلى دائرة القصة المغلقة التي لا تسمح للقارئ بمساحة أكثر اتساعاً من التأويل واستبطان المعنى، منها على سبيل المثال نص “شباك رقم 5″، وهي سمة وردت على نحو عارض، لا يختصم كثيرًا من جماليات النص وفنيته.

تكشف نصوص “نفق سري” عن تعدد مستويات البناء الفني، بحيل لغوية ودرامية متنوعة، في مجملها تعد إضافة لإنتاج الكاتب، وتكشف عن تطور رؤية وأدوات عوالمه، خاصة بعدما قدّم روايته الأولى “سِفر المرايا” بلغة كلاسيكية. فخروج المجموعة الأخيرة على هذا النحو من الحكي والنصوص يمثل نقلة فنية في اللغة، ويعبر عن نضج فني ننتظر منه المزيد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.


Site is using the Seo Wizard plugin by Seo.uk.net ( seo.uk.net )