محمد الرفاعي يكتب: الاغتراب في ملامح دلالة النص- داليا إياد نموذجاً / قراءة نقدية | موقع قصيدة النثر - kasedat-elnathr-site

محمد الرفاعي يكتب: الاغتراب في ملامح دلالة النص- داليا إياد نموذجاً / قراءة نقدية

بللت ستائر الليل بحلمٍ

فيه عزف العصافير

ولم يعد فيه ملاذٌ سوى التمرد

على ظلمة الليل

فلن أدعكم تنهشون كبد مشاعري

وسأضع حولها عنقود

لا يسمه إلا ميلاد القمر

وسأصنع شراعاً ومركباً

ليبحر معه شط العمر

من استهلالة النص يمكننا أن نلمس مدى عنفوان الدلالة في انزياحاتها الشعرية التي تؤصل لخيال عذب وتنتج حالة من التهويم، الممتزج بالعتاب للحياة، بسمت أسلوبي بسيط.

فللوهلة الأولى عند قراءة العتبة

بللت ستائر الليل بحلمٍ

فيه عزف العصافير

ولم يعد فيه ملاذٌ سوى التمرد

على ظلمة الليل

يمكننا أن نستشعر مدى تشيؤ الذات التي أنتجت هذا المتن، ” فالبلل ” هنا هو استدعاء طفولي بحت، يعبر عن طفولة منقوصة أو غير كاملة تعاني منها هذه الذات التي ربما قد تكون حملت على عاتفها هما يبدو أنه أكبر منها في وقت مبكر مما يضعنا امام كتابة مأزومة بالفعل، حيث يكون الليل فيها هو الخلفية الموسيقية التي ترسم الذات عليها شعورها المتكرر بالحنين إلى طفولتها، فالسواد الليلي هو استدعاء ضمني يعبر هنا عن الغربة والاغتراب الصامت المكنون داخل هذه الذات دون الافصاح عنه أو ربما البحث المستمر عن الطفولة المشرقة التي هي الوجه الآخر لهذه الذات المكلومة.

 أما تركيبة المضاف ” ستائر الليل ” تضعنا بالفعل أمام سؤال محير، وهو، لماذا لم ترَ هذه الذات الليل قطعة من الزجاج مثلاً، فتقول ” زجاج الليل ” بدلاً من ” ستائر الليل “، ومن هذه المسافة بين الستائر والزجاج يمكننا أن نستنتج أن داليا إياد برغم ازمتها الضمنية مع العالم كونها تشعر بالاغتراب والحنين للطفلة، إلا أنها لازالت تستطيع أن تتعاطى مع هذه الازمة بشيء من الاحتواء الامومي، كونها في حقيقة الامر انثى تتسم بالعاطفة او ربما الرقة المتمثلة في كونها جعلت من هذه السماء الواسعة التي يغلب عليها الليل والقتامة، مجرد ستائر قي إشارة لانتصارها لفكرة أنها برغم أزمة الاغتراب لديها إلا أنها لازالت معتدة بنفسها كونها الانثى الحلم أو الأنموذج بالفعل.

تساءلت أثناء قراءتي للنص ما هو الهدف من وجود العصافير وكيف استطاعت داليا أن تراها في الليل تعزف مع العلم أن العصافير فقط ترى في النهار، لا أخفي سراً، أنها من الناحية الدلالية، مفارقة سياقية تنتج طاقة شعرية هائلة حينما تأملتها في سياق المتن، ولكن من الناحية الميتافيزيقية والنفسية، فقد رأيت أن هذه العصافير هي نافلة في إرهاصة النص نفسه، تعبر عن الأمل المبطن في كينونة الشاعرة، لاسيما أنها برغم الاغتراب والغربة التي هي أساس أزمتها الا أنها متصالحة تماماً معها، بل ربما أذهب لأبعد من ذلك، بالقول بأن داليا متماهية مع أزمة الاغتراب لديها بشكل كلي كأنها جزء لا يتجزأ من هذا الاغتراب، وكأنها هي ذاتها هذه الطفلة التي تبحث عن الأنثى بداخلها وليس العكس مما أدهشني في سياق تفسيري لتجليات هذا النص.

ليس هذا فحسب بل ومن زاوية أكثر رحابة للرؤية يمكننا القول بأنها قد بلورت هذه الأزمة بلغة تفسيرية أكثر إمعانا واشارة بقولها، ( ولم يعد فيه ملاذٌ سوى التمرد على ظلمة الليل ) مفسرة بذلك السطر الذي يسبقه وكأن هذا السطر اللاحق هو تكئة تفسر السطر الأول وتفسر كذلك ما قلته أنا أثناء محاولتي المتواضعة لتفسير هذا المتن.

وقفت قليلاً متأملاً مفردتي ( ستائر الليل )، و ( ظلمة الليل )، محاولاً أن أجد رابطاً بينهما، فالليل بطبيعة الحال مظلم ولكن ما سبب التوكيد علي أنه مظلم بالفعل، إذ و للوهلة الأولى، تمر هذه المفردة بشكل عابر أو ربما لا أظن أنها ستكون ملفتة كونها إشارة طبيعية لليل، ولكن حينما تتحدد نقطتين أي نقطة ( الستائر ) و نقطة ( الظلمة ) في مساحة مشتركة ألا وهي ( الليل )، كان من الطبيعي أن أستنتج أن هناك حركة ديناميكية تؤسس القصيدة صورة شعرية متحركة للسماء من خلالها، معبرة عن تشويش ما، أو ربما حيرة تحاول الذات إبرازها، فيمكننا هنا تخيل السماء وهي تارة تتحول لستائر في شكل راقص كأنها تتهدهد وتارة اخرى وهي تعود لشكلها الطبيعي كونها سماء ليلية مظلمة في صورتها النمطية، وكأن الذات هنا متأرجحة بين كفتي ميزان ما، في محاولة لاستقبال مؤثرات مناخ الاغتراب لديها بشكل منضبط، يمكننا القول بأنها تحاول أن ( تدوزن ) نفسها، أو تكون تلك العروضة التي تتوسط الخيمة لتتكيء الخيمة بأسرها عليها دون التفلت أو التهدم في نهاية الامر في إشارة إلى أن الذات تسعى لتحقيق تمرد منضبط نوعاً ما.

في ما يلي

فلن أدعكم تنهشون كبد مشاعري

وسأضع حولها عنقود

لا يسمه إلا ميلاد القمر

وسأصنع شراعاً ومركباً

لأبحر معه شط العمر

استهلت الشاعرة توالي السطور بنفي قاطع متمثل في كلمة ( فلن )، مما يعبر  عن أن هناك بالفعل شرطية لقهر ما قد مورس علي هذه الذات الى أن تماس مع عمق خصوصيتها، أو كينونتها مفتعلاً أزمة الاغتراب من البداية او ربما مؤججاً لها من حينٍ لآخر، مما أصبح يمثل ضغطاً استثنائياً بالفعل كون الذات أصبحت بالرغم مع تصالحها مع عالمها إلا أنها لازالت تعاني باستدعائها مجازاً معبراً عن قيمة هذا المعنى، متمثلاًً في مفردة ( كبد مشاعري ).

بل منتجة صورة شعرية استثنائية تعبر عن ابتكارها لآليات دفاعات تقيها هذا الألم، ولكنها دفاعات في ظني ولا أريد أن أطلق حكم قيمة هنا، أنها تبدو دفاعات جوزائية  نوعاً ما، فخلق الذات لهالة ساكنة حولها، هو أخر أسلحة التمرد والرفض وأقواها بقولها ( وسأضع حولها عنقود ) أي المشاعر، مما يعبر عن أن هناك نضج انثوي في التعاطي والتصالح والاحتواء وعدم المبادرة للصدام أو التشويه بل الهروب المقنن للحلم البعيد الراسخ في نفسية هذه الذات بل ومواصلة بحثها عن نفسها متجاوزة بذلك هذا الاغتراب، وهذا نراه مترجماً في وصف تعبيري مورق، ولغة منضبطة في حيز انفعالات الكتابة، باستعارات مجازية مثل ( القمر ) أي بؤرة الضوء في ستائر ليل هذه الأزمة، ( الشراع )، ( المركب )، ( الإبحار ) و ( الشط ) الخ ….

لتترك النهاية مفتوحة علي مصراعيها للمتلقي، كمساحة له، للتفكير والتعاطي مع شكل هذا الشط الذي جعلت منه هو ذاته بحاراً في صورة ديناميكية مغايرة غارقة في الإدهاش و التي اختارت أن تبحر معه هذه الذات المغتربة في نفسها إلى نفسها في محاولة جادة لاكتشافها.

لا أخفي سراً، فقد تعاطفت كثيراً مع هذه الكتابة، التي تنم عن أفق خيالي رحب وشاعرية محققة تؤصل دلال المعنى وبهاء التعبير لشاعرة انتجت نصاً معبراً عن جماليات الاغتراب، عن طريق الإبحار في ذاتها، في محاولة للتخلص من جميع شوائب الحياة، وتشيؤاتها بنبل أميرة، وسمو أنثى ناضجة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.


Site is using the Seo Wizard plugin by Seo.uk.net ( seo.uk.net )