فتحي عبد السميع يكتب : العالم فوق مقعد حمّام | موقع قصيدة النثر - kasedat-elnathr-site

فتحي عبد السميع يكتب : العالم فوق مقعد حمّام

12074919_911762098860561_3256923594192388499_n

العالم فوق مقعد حمّام
إلى جدار في بيت جدّي أعرف نبته جيّداً

….

تدور الجدران حولي
ولا تقترب من لحمي.
تنبح أحياناً
لكنها تهزُّ ذيلها 
وتدفن رأسها تحت ساعديها.
الجدران جاهزة على الدوام لتكون أليفة.
تعاني كالآدميين تماماً
من سوء الفهم وقسوة النظرات.
***

رأيت جداراً ذات يوم
يقبّل شرخاً في عظامه
ليعرب عن محبّته للحياة.
رأى بذرةً ضاقت عليها الدنيا
فمنحها شقّاً في جسده
وتركها تورِقُ كما تشاء.
***

ثمة براحٌ يفصلني عن الجدران.
براحٌ صغير
بالكاد يكفي لمقعد حمّام.
يجلسُ العالم عليه كل ليلةٍ
ليحكي بمرارة عن غربته
بينما يمررُ منديلاً حول وجهه وقفاه
ليمسح شبّورة من لهاث الناس.
***

تنعس الجدران أحياناً
وتعرف الكوابيس
كثيراً ما رأت إنساناً بعينٍ واحدة
ينزع جلدها
كما ينزع الليف من النخل.
كثيراً ما رأت بشراً بأظافر من حديد
يجدلونها حبلاً
ويخنقون أشقاءهم.
***

مذعورةٌ تقوم الجدران من نعاسها
تراقب المخنوقين بسذاجة
وهم يتحرّكون في حِجرِها
فتستعيذ بالرحمن من الشيطان الرجيم.
تشك احياناً في نوايا البشر
لكنها تظلّ وفيّة لمعتقداتها.
بنت الأرض أنا.
أنا الرحم البديل.
الآدمي شقيقي
وآنا الملاك الحارس.
تغنّي الجدران كثيراً
ويسمعها السجناء.
***

حارس السجن سجينٌ مثلي.
لكنني أكثر حظاً
أعرف زنزانتي وأعشق الحريّة.
عيناي رقيقتان وتحطّ عليهما الطيور.
عيناه غليظتان يتقاذف منها الدود.
أمشي في زنزانة
وحارس السجن يمشي في قبر.
زنزانتي دمٌ فاسد، يسيل خارجي ويضيع.
وقبره دمٌ فاسد، يسيل داخله ويبقى.
يملك الشوارع والميادين
لكن حظّه منها أقلّ من حظّي.
يحبس العالم في جيوبه
ويخطو في العدم.
***

لا بد من فعل شيء
لحارس الزنزانة المسكين
لا بدّ من وضع شاهد خلف كتفيه
لا بدّ أولاً من سيارةٍ بمذياع
تطوف بين الناس
وتدعو الشوارع إلى السير في جنازته.
صديقي الذي قتلوه
ماطل كثيراً من أجل الحصول على لحظة إضافية
لدي الكثير من الدقائق
وأحبّ استثمارها في تربية النور.
انتظر دخول الطعام
لأمسكَ نوراً يتسلل بين فتاته
أوفّر من قوتي
لأطعم ما يمكن سجنه.
أنا الراعي والناي
أنا الجدار الذي يدور
حول قطيع من النور.

يفتح السجّان 
ليجد نوراً يفرّ منّي
ويزرقُ في روحه.
يعيدُ السيف إلى جرابه
ولا يخبر احداً
حتى لا يقلعوا عينيه
باحثين عن سجين
يفرُّ شعاعاً شعاعاً
ويمسكُ الخلاء.

حارس السجن في الخارج
وروحي تسري في دمه
بذرتي تورق في الجدار
وقطيعٌ من اللحظات يمرح
في كل لحظة أعيشها.
أفعل كل ما اشتهي
وأنا ألعب في زنزانتي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.


Site is using the Seo Wizard plugin by Seo.uk.net ( seo.uk.net )