غادة نبيل نبيل تكتب : أقرؤك كامرأة .. يقرؤنا كرجل | موقع قصيدة النثر - kasedat-elnathr-site

غادة نبيل نبيل تكتب : أقرؤك كامرأة .. يقرؤنا كرجل

Arabwaajam1.578825

غادة نبيل
مصر
——
أقرؤك كامرأة .. يقرؤنا كرجل
ملاحظات على قسوة القراءة في ديوان “تقاويم الوحشة”
لكولالة نوري.
————–

هل المرأة لا يمكن أن تكتب إلا كممسوسة، كمصابة بالهستيريا أو العصاب، عصاب ما؟.. لتعترف على نحو جزئي مبتور كما يصر الآخرون على التعامل مع نَصّها – أو الغالبية على الأقل – أم هي فعلًا لا تملك أن تنجو من كتابة اعترافيّة؟ . وحتى لو كان الأمر كذلك، لماذا – إن هي حاولت الإفلات من هذا بطموحٍ مخالف – يردها التقييم ( تقييم المتلقّي )، إلى تلك المنطقة أو الخانة التي ليس مسموحًا أن تبرحها لمجرد أن المتلقى لم يبرحها؟.. وإذا كان الشاعر العربي – الرجل المُبدع يكتب وبداخله محاذير أو رقيب ما، فما عدد رقباء.. ونوع رقابات الشاعرة والمبدعة العربية؟
هل الكتابة الإبداعيّة النسوية ما زالت أحدوثة تقف عند حيّز ادعاء التسامح ( من الآخر ) وحيّز الامتنان من المرأة للكتابة في العالم العربي؟.. أحدوثة مخنوقة بالتمنّي المُستحيل ، والمكبوت الحاصل.. وفي التأرجح تغوص الشاعرة العربيّة الراهنة في ما يسميه جان ماريكو ” فضاء الاحتجاز الكوني ”، وذلك الفضاء الحديث الذي يضيق فيه الجسد ويُقصى – بحسب وصف منصف عبد الحق – في بعده الإيروتيكي.. ومن خلال ذلك تُقصى كل علاقة بالأشياء تمر عبر الجسد؟ ..
هل الأمر كذلك فعلا ولكن بخصوصية في كتابة القصيدة العربية المعاصرة للمرأة التي تحاول أن تجعلنا نصدق ونرى أن القصيدة ” انكتبت ” ونظل نحن نصر أن صاحبتها هي التي كتبتها وأنها تكتب نفسها وتسجّل – بالشعر – يوميّات وارتكابات؟
وهل المرأة شريكة – بقصد أو بدونه – في تدعيم التعامل الأسطوري معها دفاعًا عن صورتها عن نفسها ، صورتها المستعارة والمفروضة من الآخر ، تلك الصورة التي تعجبها وتخنقها إذ تحاول التمرد عليها .. بحساب؟
لماذا نعيبُ على الرجل المثقف إصراره هو الآخر على النظر إلى المرأة كأسطورة؟
أليس جسدها المنشىء، المقفول على سر التخليق، الرحم، الأصل، أسطورة حقيقية لذلك، أو شيء ملتبس ما بين حقيقة وأسطورة إذن؟
هل يهيمن الارتداد إلى الاحتفال بجسد الأم على لا وعي الكتابة النسائية الشعريّة – لكي لا نسهم في إيلام الآخر ( القاريء والشاعر والمثقف الرجل )؟.
لعل الشاعرة العربية أكثر من الروائية العربية لا تنظر للكتابة على أنها قدر. ولا هي تستطيع ذلك فثمّة أشواط كثيرة مرتبطة بالشرط الاجتماعي الذي لا سيطرة كبيرة عليه، لابد من توافرها قبل أن تتحول الكتابة بالنسبة لها من اختيار إلى قدر.
في الاختيار ، المحذوف لا نهائي وهو واعٍ ضروري والمستبقي ( بفتح الحرف الأخير ) كذلك . وكل هذه المواصفات والمواءمات – للأسف – تتم في إنجاز شعري لأسباب غالبًا ما تكون غير فنيّة، وإن كان الشاعر العربي يضطر للاقتراب من مراعاة السائد والسير بعيدًا عن المسكوت عنه أو محاولة اختراقه بقدر ، ولا ينجو دائمًا كما تدلنا محاكمات الفن .. حتى وإن تمت تبرئة ” العمل ( ما حدث مع رواية ” وليمة لأعشاب البحر ” لحيدر حيدر وما حدث مع ” أخبار مجنون ليلى ” في البحرين ضد قاسم حدّاد ومارسيل خليفة وما كان قد حدث مع الأخير حين غنّى لدرويش قصيدة اختار الرجعيون حصرها في المساس بأحد الأنبياء وما حدث مع نجيب محفوظ ومحاولة اغتياله بسبب ” أولاد حارتنا ” وما حدث مع حلمي سالم و أحمد عبد المعطي حجازي ولمجلة إبداع بسبب موقف الإسلاميين من قصيدة سالم ” شرفة ليلى مراد ” ). هناك بالطبع من سيظل مصرًا أن من يتحدث في النص هو كاتبه وأنه بالتالي يدلي باعترافات.
وتربية القارىء المخبر أو المحقق ليست أرًا يملك الإبداع السيطرة عليه وإن طمح في تغييره بالكتابة، ضمن ظروف أخرى تخرج عن حدوده، لكن ما أود قوله هو أنه حتى عندما تتوافر شريحة من القراء تنجو من هذا التعاطي مع الفن فإنها يندر أن تمده إلى الإنجاز الإبداعي – رواية وشعرًا – للمرأة العربيّة.
إن المنطوق الشعري الحداي بل والراهن للمرأة العربية يبدو محكومًا باستنطاقات لا تنتهي تحمله على ضميرالأنا المتكلم الذي يبث ويحاول أن يرواغ ويُخفي أو يلقي جملة ثم يبدو نادمًا، عليها ومستدركًا في محاولة اعتذارية لشرحها.. لتبرير ما تثق الذات الشاعرة أنه التأويل الوحيد( الذكوري الاجتماعي ) للتعامل مع متنها الحياتي لا الشعري. بل حتّى والشاعرة العربيّة تكتب في نصّها عن نموذج إنساني نسائي وتغير الضمير – جماليًا – مثلًا إلى الغائب خاصّة لو كان بصيغة الحاضر أي المضارع يترصدها إصرار الشريحة التي أشرت إليها سالفًا وهو أن الضمير في حقيقته ليس سوى ضمير المتكلم ( متكلمة ) لأنه باختصار ضمير محبوس في حالة الاشتباه وفي الشعر الذي هو مناجاة النفس والوجود وتوق أصيل – بحكم طبيعته – لقول الأشياء ورفعها ونسفها ومحاذاتها، وبناء علاقات جديدة بينها، ومهما كانت تقنيات الأقنعة أو المرايا إلخ… فإن القاريء الرجل، وحتى المُبدع أحيانًا، يعجز عن التحرر من شلطان المطابقة بين النص وصاحبته ليبلغ مرحلة أخرى من الاستمتاع بالنص لا تتحقق إلا بالتظاهر – كما يقول أفلاطون – ” بأن الشاعر (ة) ليس هو (هي) المتكلّم“.
إنه – أي القاريء – هكذا يحول الاستنكاه إلى استنكاه. لماذا يفعل القاريء هذا بنفسه وبالنص؟. لماذا لا يفطن إلى كونه مفعول به من خلال فعل قراءة اجتماعية، مشفرة النوايا تظل كالفعل الجنائي لصالح إعادة إنتاج كا يرتاح إليه ويفضل عدم تغييره هادفًا إلى تبرئة مستمرة للنفس والإدانة المستمرة للآخر؟. وكيف نمنع ” التربص “ بما يراه – بالأخير – أي ما يقوم بتأويله لدى قراءة نص شعري نسائي بوصفه إدلالًا ”فرديًا أنثويًا“؟ .. طالما أن العلامة الأكيدة للحداثة هي ما يراه البعض من رسالة العداء التي تبثها الحداثة لنفسها وذلك بالنقد الذي التدمير الذاتي .. أي الإيلام، وهي أمور تدربت عليها المرأة العربية جيدًا بلا اختيار ، لذا نجد الحداثة التي هي بحسب بودلير نوع من ” جلد الذات ” هي قصيدة مستمرة للذات المهزومة، التي تجذب الأعراف والتقاليد من أنوثتها ما يفوق احتمالها ويؤدي صدمها للقاريء في النصوص الشعريّة النسائية إلى استنفاره لكل حمولة وميراث أفكاره الاجتماعية بحيث نملك القول بضمائر مرتاحة أنه ومع استثناءات قليلة فإن عنصر الحوار الخالص والفعال مع النص العشري العربي النسائي ليس موجودًا.. إنما هو معتدى عليه.
يحب القاريء الرجل هذا الحال من السيطرة على القصيدة ” اأنثى ” ( القصيدة لأنها مؤنّث أصلًا ) ولو أن ”النص“ مذكّر لكن التحالف مع المُجتمع يُنجز بعدوانيّة مضاعفة أحيانًا لدى تعاطي قصيدة كتبتها شاعرة . وأليم أن تكون الصيغة الوحيدة لطمأنة النفس هي في إخضاع الآخر – بصفته الإنسانية لا الشعرية ولا الفنية – للمعياري السائد. إنها عملية كولاج اجتماعي لاصطياد الأشباح تقسر النص عن إتاحاته وإمكاناته لصالح تلك الرغبة المسبقة في أدائه المختلف حال العجز عن دمجه فيما يعرف بالتماثل أو التوحد Consonance.
والفن أكثر من مجرد محاكاة، كما أن المحاكاة تمثّل نوعًا من الإظهار الذي لا يعني – بحسب هانز جيورج جادامر في ”تجلي الجميل“ – ” عرض شيء ما لو كان برهانًا نبرهن به على شيء ما لا يكون متاحًا لنا بأية طريقة أخرى. فنحن عندما نظهر شيئًا ما، فإننا لا نقصد بذلك إظهار علاقة بين الشخص الذي يظهر والشيء الذي تم إظهاره. فالإظهار يتجه بعيدًا عن ذاته، فنحن لا نستطيع أن نظهر أي شيء للشخص الذي ينظر إلى فعل الإظهار ذاته، كما هو الحال بالنسبة للكلب الذي ينظر إلى اليد التي تُشير“ / هانز جيورج جادامر : ” تجلّي الجميل“ تحرير روبرت برناسكوني، ترجمة ودراسة وشرح: د. سعيد توفيق، الطبعة الأولى عام 1986. مطابع جامعة كامبردج، ص 261-262/ ( الوصف بأكمله لجادامر ).
وفي بعض الأحيان قد يأتي تحرز المرأة من ” صورة ” ذاتها ( في حسابات غير شعرية إذن ) لدى المرأة المُتلقية أيضًا أو شريحة من الفريق الآخر . وقد يحسم الأمر اختيار الكتابة عن جزء من الذات باسم مستعار شعريًّا، مع توفير كتابة شعريّة أخرى للعلن أي تقسيم الذات ما بين سري ومعلن، وذلك لأجل مسيجات وقيود أخرى. وليس من غرابة كبرى فتقليد الكتابة باسم مستعار منذ أيام جورج إليوت ومن قبلها، لكن في عصر الإنترنت صيغة الاسم المُستعار لفترة مؤقتة ثم تغييره – باستمرار دون إفصاح، وموازاة هذا دون إعلان – بالكتابة بالاسم المعروف لصاحبته.. هذه الثنائية تعكس مأساة وهي بذاتها تعرض للوجه الآخر من الأزمة. إن المُبدعة لا تستطيع كتابة كل ذاتها وتوقيع اسمها بعد ذلك . بالاختباء خلق اسم مخترع تسعر بأمان نسبي وأنها تستطيع أن تقول مالا تقوله كله حين تكتب باسمها. إنها الكتابة بالحبر الشريّ.
وربما تمتد المأساة في في علائق أخرى سلبية إلى أدب الشيرة الذاتية النسائية في العالم العربي إذ يكاد ينعدم، لكن القاريء المصر على الاسترابة في الكاتبة استعاض عن هذا بالتركيز كما قلنا على ساحة المعركة في الشعر وعلى محاولات موازية تعكس تخريب التلقي للرواية النسائية كلما أمكن للدفع – في بعض الأحيان – بأنها ليست سوى سيرة ذاتية هي الأخرى ( أي اعترافات حريم ).
آسيا جبار تدرك كأنثى ما نعرفه جميعًا. تقول ”إن الجسد ليس مُسلّحًا لكي يواجه كلمات الآخرين“.
وحيث يطغى الوجه الثقافي على الجانب أو الحقيقة البيولوجية للجسد تخترع له لغة – هي المجاز. فالمخيال العربي الإسلامي بسياج محرّماته لا يسمح للحرمة المحرمة المسئولة عن الحرام لزامًا ( وحدها!) إلا بالعبور المُزركش المقهور في قافلة هوادجها محجوبة ( العبور غير المرئي!) وهو ما علّم المرأة أن تتكلم دون أن تُسمع (بضم التاء) وتحاول الارتكان – كما تذهب بعض الناقدات الأوروبيات – على جسدها لتكمل خطابها إن كانت تلقيه في جمع ما مثًلا . ولعل المبالغة في التشديد على الجديّة هي الوجه الآخر لنفس إشكالية الجسد والصوت المحبوسين، المقهورين، المعتذرين عن أنوثتهما.
المرأة – ربما غالبًا – وهي تتكلم في مكان عام، أمام جمهور، يكون عليها أن تجاهد لنسيان أن الجمهور لا يتناسى أو يتجاهل أنها امرأة تتحدث أو تخطب الخ. وهذه ليست خصوصيةعربية فقط فمن المُضحك أن الناقدة جوليا كريستيفا ذات الصيت اللامع تعرّضت أثناء الإدلاء بمحاضرة مرة لتعليق ذكوري كان مفاده ”أن ساقيها جميلتان“.
بل إن صاحبة هذا المقال شهدت مثقفًا مرموقًا يهاتف شاعرًا بالتليفون يدعوه ليأتي إلى مكتبه في الحال لأن به ما تريد مقابلته – وكانت المتحدث بشأنها مستعربة فرنسية تسعى للتعرف على إنتاج الشاعر المدعو ومقابلته لدراستها فقال له المُثقف يُشجعه – أمامها. ”نعم، جميلة“ ولم تعلق المُستعربة الجميلة. ولدى قيامي شخصيًا بالتعقيب على ترجمة شاعر مصري معروف لسونيتات شكيبر مقارنة إياها بترجمة جبرا إبراهيم جبرا أصدر حكمه دون معرفتي أو رؤيتي أنني لابد – كما بلغني من الزملاء – وأن تكون ”دميمة معقّدة”.
إن الكتابة المجازيّة ربما كانت ابنة للحياة المجازيّة.
الكتابة كأنثى، كأمراة .. لماذا بدأت مقالي هكذا؟ ولماذا فكرة اللغة وما الذي تفعله المبدعة بها تسيطر علينا كقرّاء.. اللغة كمتن اعترافي أو بيان للنفس؟ هل لأن بكل كتابة جزء من هذه الحقيقة؟ اللغة كتجريب أو اللغة الغنائية، أو تلك التي تحاول تحقيق قدر من التخطي الذاتي بالتمرد على طرائق التعبير والصور المألوفة ( ونحن جميعًا أسرى )، أو تلك التي يُمليها تفكيرنا عن صورتنا لدى الآخر ومجموع شروطه أو متطلباته وأحكامه ”سجن اللغة هذا يجبرني كشاعرة وكاتبة – فهي إن كانت سجنًا بمعنى للكاتب أحيانًا وللكاتب العربي بأكثر من معنى فهي كثيرًا ما تكون السجن الانفرادي للمبدعة العربية، ما بين غنائية، أو لغة تتمرد بتصور مسبق ( وبالتالي منمط ) عن أن التحرّر الجمالي مقرون بالصدم من خلال قطع مسافات في مناطق إيروتيكية.
لا نفهم رد الفعل إلا من خلال الفعل أو كمتوالية نرى منها الحركة الأخيرة فيصيبنا الصدم . نحب أن ننسى أن كتابة المُبدعة العربية تشبة كثيرًا رد فعل متصندق بداخله رد فعل آخر وهكذا.
هذا لا ينفي المساحة الخاصة الصادقة التي يتفلت منها صوت المرأة أوقاتًا خارج هزة الجدليّة المُحكمة وما يتضح أن الهوية الأنثوية تهيمن على الشعرية وتتقاطع معها في كتابة الشعر وحتى لا تكتبه نساء عربيّات، بوصف الشعر فيض يُشبه فيوض جسد المرأة المُشبع بالمعنى والخلق والسوائل بوصفه فيضان آخر لكائن حقيقة جسده تكاد تنتظم في الانسكاب والسيولة ومفارقة المنع والمنح، ومعضلة الإتاحة والاحتجاز .. وأيضًا لأن الشعر – واليوم سنكتب عن الشاعرة الكرديّة كولالة نوري في ديوانها ” تقاويم الوحشة“ – ليس فنًا تمثيليًا Representational كالرواية وإنما لأن مداره ومنبعه الخصيب الرئيسي هو اللاوعي.
ليست كتابة الم{اة الشاعرة (العربية) من مناجم اللاوعي حرة متفجرة كما نتمنى لها، بحيث تكسر طوق الثنائية الحادة السالفة الذكر.
إن ما نطمح به يتجاوز كثيرًا مفهوم كتابة الجسد وبالتأكيد أيضًا هي كتابة ( المأمول بها، الأكثر حرية الخ ) تأنف في أعماقها من استنساخ التواجشات الذكوريّة القديمة والقائمة. ولأن الاستنساخ المفاهيمي ليس مُعديًا فحسب إنما أيضًا يعطل لفترة أطول الصوت الحقيقي للمرأة الشاعرة وحيث أنه يعبر عن سطوة مفاهيم الطرف الأقوى في أية علاقة، واجتماعيًا وتاريخيًا ظل الرجل هو الأقوى، فإن أفكاره وتوقعاته وردود أفعاله كطرف فاعل أثناء الكتابة الشعرية للنساءء وكمتلقي خارج النص ( الذي شارك في تحريره بوجوده المُستمر في لا وعي الشاعرات).. هذا يجعله عنوانًا للبوصلة الذكورية الحاضرة، نموذج للآخر المتحفز، المرشد، ”القاضي“، الحكم والجلاد الذي يشكل لا وعي الكتابة ولا وعي التجربة الإنسانية الخاصة بالنسبة للأنثى.
هكذا يحدد الرجل إجمالًا للمرأة أو الشاعرة العربية خصوصًا إملاءات الصمت، موضوعات الكتابة، طرائقها ومكونات العمليّة الإبداعية للذات الشاعرة للمرأة العربيّة التي أغلب الوقت ما تكون في حال المثول.
إنه أمر شبيه بما يمكن أن نعتبره كتابة مستترة لنص موازٍ للنص الظاهر – مقروءًا أو مسموعًا – للمرأة، ولعل في بعض النماذج الشعرية النسائية لبعض دول الخليج ما يُشير إلى أن الرجل هو الكاتب ” الحقيقي ” ( بالمعنى الاجتماعي الضاغط ) لكثير من النصوص بينما الشاعرة تمهر أو توقع العمل باسمها وقد تقنع نفسها أنها كاتبته. هذا هو الحال حين تستنسخ اللغة سجن الخارج وتصبح سجنًا بذاتها لا العكس.
يحرم هذا القاريء كثيرًا من جاذبية التحولات، من فرصته في مغامرات خياليّة ولغوية أكثر تنوعًا، من الحلم بلغة ثالثة عابرةٍ للجندر تنتمي إلى مناخ ومعجم نفسي اجتماعي مغاير، ”ميتالغوي“ وليس مفتعلًا أو مزيّفًا لأن مشكلة كتابة الجسد في شعر المرأة بالعالم العربي وأكاد أقول في الشرق أو العالم الإسلامي بصورة خاصة، أنها بذاتها تمثّل خروجًا واعيًا بنفسه كذلك. وهذا الوعي لا يناوىء فقط لا وعي الشاعر حد التقويض الجمالي للنص أحيانًا كثيرة، بل يمثل حلقة أراها – وإن كنا خضنا تجربة هذا النوع من الكتابة – أكثر زيفًا من الكتابة ”الغنائية“ النزوع لدى الشعر النسائي العربي الراهن. إن الفارق يتعلّق بتصوّراتنا عن درجة تماهي النص مع الآخر حد تقمّص شروطه الجماليّة ومُتطلباته الاجتماعية داخل سياج النمط.
فهُناك نص يُعرف أنه ليس حرًا. وهناك نص يتصوّر أنه تحرّر.
كيف سأختار بينهما؟
أميل إلى تصديق ما يذهب إليه قلبي ويمس شيئًا بداخلي، ما أراه شعرًا أو فنًا ويكفيني. بالوقت ذاته – ولعل هذا المقال عن ديوان كولالة يُترجم كوثيقة اعترافية لي بدوره – أجد نزوعًا ابن التشبّع الثقافي الذي أنا أسيرة له، لما هو غنائي بمعنى التيمة والصورة داخل قصيدة نثر الشاعرات العربيّات اللاتي أنا منهن. لهذا وبشجاعة أخلاقيّة وجماليّة فأنا أفضل النص الذي يعرف أنّه ليس حرًا. أصدقه فهو أقل ادعاء.
مع هذا لا أنفي نص الجسد. فنحن مهما كتبنا لا نستطيع أن نكتب جسدنا، الجسد سابق على الكتابة، لكنها لا تستطيعه، لا تستعيضه. ومنطقهُ قد يتقاطع معها – الموت والفناء – الشلل – النشوة – الخلق الخ، لكنه لن يكونها لذا فالكتابة تخونه أو هي خيانة مستمرة له من حيث تحاول ببؤس (التوثيق) له بأقرب وأرهف وأعنف ما تملك وأقصد الكتابة الشعريّة.
وحيث الكتابة الشعريّة للمرأة لا تنوب عن جسدها، تظل محاولات هتك اللغة (أي لغة من حيث هي مؤنّث) فعلًا غير مكتمل بمتاز بالطواف الإيروتيكي الذي تختلف طريقة توظيفه ما بين المرأة الشاعرة التي تكتب نصًا حسيًا وإن بدرحة، والرجل الشاعر الذي يكتب من منطقة أخرى – بالحتم الإجتماعي والتاريخي.
وحين تسأل الناقدة ” شانتال شواف “ أليس الهدف النهائي للكتابة هو التعبير بفصاحة عن الجسد؟ ” أجد السؤال ينطق من انحياز مسبق لا يخلو من الحقيقة نوعًا ما ..لكن لأنه سؤال واثق هكذا، يقيني الإجابة، تحسبلها، لا عليها هذا الجرأة النقديّة .. سؤال كأنما لا يحتاج سوى إجابة بالإيجاب، لكن ربما يجب طرح سؤال مختلف.
ترى ” شواف ” أن ” التجاور الحسي للكلمات له وظيفة واحدة… تحرير المادة ( الحية ) كما أن اللغة، عير الكتابة، قد تحرّكت بعيدًا عن مصادرها الكلاسيكية والعقلانية كلاهما بتر الوثنيّة الكلامية للعصور الوسطى وبعصر النهضة، اللحم اللغوي قد تم قمعه ببيورتانية، التجريد جوّع ( قام بتجويع ) اللغة لكن الكلمات يجب أن تموت، إذ أن ليدها خاصيّة رقابيّة. إن مهمتها أن تطور الوعي والمعرفة بتحرير لاوعينا واستعادة الأمل بالوقت نفسه“ / Eliane Marks and Esabelle de Courtivron: New French Feminisms: An Anthology“First Published in 1981 Ltd.U.S.A,Page 77. /
إن ما تعنيه ”شواف“ يبدو في نظرتها للكلمات حين تكبّرها بعدة مكبرة فتراها – كما تقول – ذات طبيعة ”محبحبة“ ( من الحبوب ) أو مجّعدة أو لزجة. وهيكحرفيّة، كما تقول عن وصفها الكتابة بوصفها اختصاصها، فإنها تقدّم الكلمات لكن يمكن لها (الكلمات) أن تلمس وتؤكل.
وإذا ما نظرنا إلى المفردة بوصفها كيان مستقل (لا أدري كيف أو ما الذي يعنيه هذا) عن استخدامها سيكون لها ما تراه هي ”حياة عضويّة تخصّها“ ولكن النظريات باعترافها تشطح وتحرمنا من دوذامات حرة قادرة على أن تحملنا بشكل طبيعي إلى تبرعمنا، وولادتنا مرة أخر.
لهذا تُعلي الناقدة من الشفاهيّة فهي ترى أنه لكي نعيد ربط الكتاب بالجسد باللذة لابد أن تقوم بتفكيك أو نزع الثقافة عن الكاتبة. إن في كل اللغة – بالنسبة لها – ما يستنهض حسيتنا ويوقظها من جمود عدم الحركة. وتمد استعارتها كثيرًا من هذا الطموح الذي يُقاري حلم مالارميه باللغة الأصلية الأولى Adamic Language التي سقطنا منها (كالجنّة) ولم يعد بإمكاننا الرجوع إليها، فتقول إن اللغة الماديّة القديمة بالنسبة للنساء تقابل مكاننا التاريخي وهو الميلاد، وهي لغة تثق الناقدة كثيرًا في تطويرها كموسيقى للأنوثة سوف تنبع من قمعها وتتجسّد في الجسد المعاد اكتشافه.
وترى شواف ”أن سوائل الجسد الإنساني إذ تخرج تطلق طاقات الجسد وتمنحها من جديد للعالم، وأن اللغة الأنثوية يجب – بطبيعتها – أن تعمل على الحياة بشغف وعلم وشعرية وسياسة لتجعل الحياة قوية.
وإني لأتساءل إذا كانت النساء يفقدن أغنيتهن، ألا يجدر أن ننوح على أصالة ما؟ ولماذا يفقدن لك الأغنية السريّة الطبيعيّة أو التي تجعلهن في تناغم مع الطبيعة؟ أليس السبب الواضح هو المجتمع؟
”لوسي إيرجاري“ تقول العلّة: المرأة؟ ”لا وجود لها“ فهي تستعير التمويه الذي من المتطلب منها أن تتخذه تنسخ كالبانتومايم الدور المفروض عليها والشيء الوحيد المتوقّع منها هو أن تحافظ – بنجاح – على دورة الادعاء بتطويق نفسها بالأنوثة“ / Ibid, P. 108. /
في الحقيقة تختنق اللغة والصوت ومغامرة الكتابة بإزهاق منطقة الاختلاف الحتميّة في أي نص حين نتظاهر بأن النص الجيد لا هو مذكّر ولا مؤنّث، وهي حقيقة بالطبع لكنها توحِي بنفي حقيقة أخرى وهي أن هناك – إلى حد كبير – نص مذكّر أو ملامحه تشى بأن صاحبه رجل وآخر مؤنّث يسهل تبيّن ”نوع“ صاحبه ولو دون رؤية الاسم للتأكّد أن الكاتب أنثى. وكما أن صمت النساء يختلف عن صمت الرجال، كذلك كتابة النساء تختلف عن كتابة الرجال خاصّة في المنطقة العربيّة. والقول بغير ذلك أراهُ تدليسًا.
ومن ناحية أخرى فإن ”تجنّب“ الكتابة عن الجسد خيانة أخرى له وخاصة في المعجم النفسي للشاعرة العربيّة.
كيف لا نكتب عما يستلب ويُقهر ويُضرب ويُستخدم كل يوم؟
كيف نقبل أن يظلّ في منطقة المسكوت عنه؟
وعندما نفعل ذلك ألان كون شركاء متواطئين مع مجمل الظروف التي أدّت بهذا الجسد إلى كتابة نص يضيف إلى ضلمه؟
كم شاعرة وروائيّة منا تستطيع أن تتبع – بإخلاص – دعوة الروائية الفرنسيّة ”مارجريت دورا“ حين نصحت“ إقبلين كل شيء. إجعلن النساء نقطة مغادرتكن في الحكم. إجعلن الظلام نقطة مغادرتكن للحكم عمّا يسميه الرجال الضو. إجعلن الغموض نقطة مغادرتكن للحكم عما يسميه الرجال الوضوح“. / Ibid, P, 174, 175./
بهذا تتلاقى ”دورا“ مع معظم رائدات النسوانية اللواتي – على اختلافهن الفكريّ – يرين أن الرجل قد جعل من نفسه مرجعيّته، وأنا أُضيف: أما نحن فقد جعلناه مرجعيّتنا. وحيث تتوه اللغة التي تحاول الانعتاق وتشعر أنها سجينة مفاهيم تضاد إنسانيتها، حيث تشعر أنها غريبة داخل مجتمع الفرجة والتلصص، مضطرةكالغريب لترجمة نفسها باقتباسات من الآخر/ فإن لغتها تشحب وصوتها وأداءها يزداد اضطرابًا، وتزداد المشكلة حين تتجّه إلى محاولة كتابة الجسد لأنها تفعل ذلك دون تحرر اجتماعي شامل معلن، دون تحرر موازٍ لدى شريكها وهذا الواقع يلقي بظلاله على النص الشعريّ الناسئيّ على وجه الخصوص، بل ويُربكه، ويؤصّل لانشطارها ومن ثمّ انشطار نصها، بينما في الغناء تستطيع أن تلتقط أنفاسها الشعريّة وتختبيء كزميلها الشاعر الحداثيّ (والذي لا يضطر للاختباء) خلف قصيدة نثر حيث يتم .. في العادة – استنساخ الصيغ والصور وطرائق التعبير الخاصة بكل نوع (وعفوًا للكلمة) أيّ ضكرٍ أو أنثى.
” ولأنني واضحة كالرولوت/ أفتقد المغفرةَ من أبي“. هل يمكن أن تكتب هذا سوى أنثى؟هذه كولالة. إنها الكتابة والتنفس والحياة تحت الرُكام. وكل ما نفعله كنساء حين نكتب، هو استجابة للمد والجزر بين الذاتيّ والاجتماعيّ في كل ديوان شعر: نعطل شرعية النص إذا نؤجل حريّته، بحسب لعنة المونولوج المهيمن سياسيًا وذكوريًا، ولعنة تشفير رؤية المرأة للكون ولنفسها وتشفير رؤية الرجل لها ولعنة الخوف من الانشقاق على المتن جماليًا واجتماعيًا التي طالت الخيال.
لعل كل الكتابة الشعريّة الحديثة للمرأة العربيّة هي المشروع الناقص ومن ثمّ المستمر لكسر الثنائيّة التي تبدو كالحتميّة التاريخيّة: غمّا الغنائيّة (طورت شكلها وصيغها في قصيدة النثر الراهنة بالطبع لم تختفي) التي تتمحور حول الذات في علاقتها بالآخر / الرجل (أبًا أو أخًا أو حبيبًا أو قارئًا)، أو الاحتجاج بنص يحاول أن يتزيا بالإيروتيكا.
هكذا المرأة العربية محكومة لزامًا بشرط الكتابة في الظلام – ذلك النص الذي لا تكتبه ولا تنشره أبدًا وتقدم كتابة أخرى تسرب إليها جزء من كينونتها، بمضاعفة الرقيب الداخليّ عن زميلها الشاعر أو الكاتب، محكومة بشرط كتابة الجندر وهاجس الطيران مأخوذة سرًا بفكرة الساحرات الشريرات اللواتي – فقط لخروجهن عن المألوف – كن يتهمن بالزندقة ويُحرقن في أوروبا عصور الظلام.. نعم هي خفاشة ترى في الظلام وهي تمد يدها بالقليل المسموح إلى منطقة النور، مهما أنكرت وقاومت، مُنتجة بهذا ما تُسميه أمينة غصن – في سياقٍ آخر – ”نص المحنة“.
وحين أقرأ قصيدة نثر جميلة تسعدني لشاعرة عربية، كيف أستمتع بها؟
أستمتعُ بقدر ما تعودت ذائقتي المدجنة اجتماعيًا (وربما جماليًا) أن تفرح بهامش من الاختلاف والطزاجة بوصفهما تثويرًا.. كما يستمع السجين بفرجة هواء من قضبان الزنزانة إذ يقول معزيًا نفسه: وماذا لو لم تكن هناك نافذة؟ ” حيث حيلة المقارنة بالأسوأ أول مظاهر اضطراب حيثيّات الشرط الانساني.
وفي ديوان كولالة نوري – مثل أغلبنا – المحاولة ليست لكتابة الجسد، ليست لجعل الجسد مسموعًا، بل لمحاكاة ألم الجسد بالتشديد على ما تطمئن ( نطمئن ) أنه الأكثر قبولًا لدى تعبيرنا عن معاناته وهو ألم النفس. لكنّه أيضًا وأساسًا نحن، وإن تداخل مع هم الجسد وإشكالياته في الواقع العربي، بالأخص للمرأة وبالتأكيد القصيدة الجميلة لشاعرة تكون كذلك ليس بقدر ما تكسر من التابو فذلك لا يخلق فنًا . كما أني أشك كثيرًا في كتابة الجسد في نصوص أنثوية عربية شعرية طالما ينشط ميكانيزم قمع المرأة للجسد في المجتمع عبر السلطة الأبوية فهي لا تكون حرة تمامًا وهي تتعاطى مع كسر التابو الجنسي في الكتابة. مجرد تمارين أو تدريبات على حرية مفتعلة.
بمعنى أخير، وحيث المرأة العربية غريبة عن جسدها، كيف لها أن تكتبه أو تكتب عنه؟
لابد سيأتي التجريد والمجاز وقتها لا بوصفهما منقذين بل حتميين. لهذا فالاعجاب النقدي الذي كنت أرصده أحيانًا من بعض الناقدات لنصوص شعريّة نسائيّة اقتحمت التابو الجنسي أراهُ تدليسًا على الذائقة يختصر الأزمة في العارض، على أن يكتفين بما يرينه الحل وهو تسريب كلمة أو صورة، وبهذا تكون الثورة بشقيّها الاجتماعيّ والفنيّ قد أنجزت.
إن الكتابة الشعرية للمرأة العربية سلسلة من الأنشوطات. لعلها تحتاج إلى حيل إلتفافية أكثر في التعامل مع خطاب الرجل العربيّ والشاعر العربيّ معًا. لعلها تحتاج إلى تجاوز الخطاب مفرط التحفظ في التعامل مع الآخر. ومع هذا فالطاقة الانقلابيّة في النص تُقاس كذلك – جماليًا – بمدى تأزمه من الاندراج وتخليق حلوله الفنيّة الخاصّة.
تنجز المرأة الشاعرة كتابتها وهي عارفة أن المتلقّي يريد منها بالأساس لغة عذريّة
وحداثة الشكل الراهن لقصيدة النثر العربيّة أو لبعض موضوعاتها لا علاقة لها بتلك الرغبة لدى القاريء.
وبالطبع الغنائيّة ليست احتكارًا أنثويًا لكنها أوضح في قصيدة المرأة. وللحق فإنها ذات صدقية عالية فيما يتصل بسيكولوجية المرأة العربيّة.
ونجد شيئًا بداخل الغائيّة يراوح بين نبر إدانة الآخر ونبر التبرير للذات، لهذا عندما تقول كولالة نوري:
”لم أقترف كأس
رفعتها
في صحّة حبّك“.
(النبر التبريري).
أو:“أكمل الرهان أو أكمل الغاب بشهود عابثين
وأنا بأبجديّة طفلة
كنت أبحث عن أصابعك التي أنكرتني“
فإنها تُشبه صوتًا أدونيسيًا كتبَ مرّة:
”لكن حياتي ، مثل كلامي ، تأويل“.
وتشبهُ نصًا بعنوان ”حساسية“ لحلمي سالم في ”الشغاف والمريمات“ ذلك الديوان عالي الغنائيّة:
”بوغت أصرخ جنب روحي
كلما تركت قميصًا عند عازفها المنحف
وأنثنت قرب اليدين.
احترت في جسدي
وقت:“كان (أبيضها المرهف ضد ضعري
ثم مسكت ركبتي“.
وتؤكّد استعارات اليمام واللؤلؤ وغير ذلك – المتبادلة الجنسين في وصف المرأة جُل قصائد ”الشغاف والمريمات“ الغنائيمة السمت، والكثير من درويش في بعض مراحله والغنائية السارية كذلك في بعض دواوين فريد أبو سعدة . وفي ” الشغاف“ مثلًا المرأة : ”قطة“ و ” نرجسة“ و ”سوسنة“ و ”غزالة“ و ”فراشة“ إلخ.. إنها صور في السيكولوجية الخاصة بالرجل الشرقي تجاه المرأة. وقصيدة النثر المعاصرة لدينا في مصر تحاول التحرر من هذه الصور لكن لا بفعل هذا الجميع .. ربما الأجيال الحديثة تحاول.. لكني أيضًا لا أحب ”الانتباه“ لضرورة أو الرغبة في إلغاء شيء أو تجاوزه وتحديثه. الوعي الإرادي ذلك لا أرتاح له تمامًا، كما لا أرتاح لكل ”قرار“ مسبق لحظة كتابة الشعر، غلا لو كانت النتيجة فذّة ومدهشة بالطبع، وهذا كثيرًا ما لا يكون بنيّة قرار على أية حال.
والذي أقصده بالغنائيّة في نص مثل ”تقاويم الوحشة“ ليس بمعنى قابلية النص لأن يغنّي، فقدرة الشعر الحديث تفتيت وحدة الصور التخيلية لصالح تفجير المُفردة بخصوبتها الناتجة عن أشياء قد تبدو مُنفصلة، لا تنفي أثر تلك الطاقة التفجيريّة في اللغة والصورة المُدهشة التي تتراكم في طبقات واحدة تلو الأخرى لتصنع معنى ما ومسيقى ما – المعنى البديل للمعنى المألوف، المعنى الناتج عن النسف والذي يفتح حوارًا على خيال القاريء في القصيدة الراهنة.
والغنائيّة البديلة، أو في وصرتها الحديثة في النصوص الشعريّة للمرأة العربية، هي المخزونة بميراث يضيء بالمجاز أحيانًا حد الإفراط على رغم محاولات (هُنا في“التقاويم“) الاختراق باليومي المحسوس.كذلك تتمثّل في الانطفاء على موضوع النفس، من خلال الآخر / الرجل، ورثاء الذات الأُنثى وفي تقصد انتقاء مفردات وتشبيهات تندرج ضمن الإطار التخيّلي للجماعة على المستوى الثقافي داخل دائرة قد توحّد ”الحالة“ التي تميد بها قصائد النثر العربيّة النسائية التي اعتمدت هذه الحيلة الجديدة لإخفاء الغنائية المطورة لنفسها داخل قصيدتهن.
فإن كانت المرأة باستمرار قطة أو غيمة أو غزالة أو عصفورة حين تصف نفسها في شعرها، أفلا يستحق الأمر أن نسأل ماذا ل اتسع خيالها أكثر خارج دائرة هذه المسموحات الاجتماعية؟ .. ولو لم يكن هناك – على سبيل التخيل اللحظي – رجال في العالم، هل كانت المرأة شتظل فقط قطة أو غيمة أو غزالة؟.
إنها استعارات الرجل والشاعر، التي أعارها وقبلت بها المرأة العربية الشاعرة لوصف نفسها، وكاتبة هذه الكلمات ليست بريئة من هذا النقد، ولاحتّى على المستوى الشخصي في تصورها لنفسها.
كذلك الغنائيّة هي ابنة نسق ما. وفي ديوان ”تقاويم الوحشة“ لا نستطيع أن نتجاهل النزوع إلى ”معنى“ . هذا المعنى يحتشد بأن يحاول طمر أشياء وقول أشياء وسرد أشياء ووصف أشياء واقناعها بأشياء أو أحيانًا عدم الاهتمام بما نظن – ولكن في حدود.
إنه معنى غائرفي أنوثته وفي جرح تلك الأنوثة . ولأن الغنائية أيضًا تكرار تيمة أو صوت، فنحن أمام هذا الانحياز في المتن، وبجلاء.
” ليس لدى النهر
ما يُضاهيكَ في المسرى
ليس لدى الشمس
ما يباريك من دهشة الفجر
أو حرقة الغروب،
ليس لدى المطر..
نغزة الحياة كأصابعك!
ليس لدى الريح
ما يفوقك من عبثيّة الهبوب
وليس لديَّ سوى الطفولة
لأحمي سماؤك“.
إنها سوناتا.
عنوان هذه القصيدة ”ليس لدي سوى الطفولة“ ويتقارب مع هذا الصوت في قصيدة ”لحظة ينام الدلفين“ :إنهض / يادلفيني النائم / لا تهيء الرخام للتدليس / الوحدة.. / الوحدة تموجني حوله / واندس ببطء موجع.. معي / تحت الغطاء“.
والزمن انكفائي داخل النص:
”أوقف يا قبج
دوران الساعات
فالانتظار مطرقةٌ من يأس
يا قبج
لك تسع وتسعون من نبضي
مثابل شمة واحدة من نبضه
أقسم بصوتك يا قبج
لك ضحكة من عام 1995“.
هذه الأبيات من قصيدة ”تحالف لاستدراك أوميد“ وأيضًا في ”بيت الندى“ تقول:
” تغزل الزمن من ألوان وقتي
وأنت تحاور الأمكنة“
وفي“Happy New Year???“
” عام آخر
أمدد قلبي على أغاني الحب
وأهدهده على النغماتِ الحزينة
الأصدقاء يظلون أصدقاء
وأنت .. أنت ”.
وتتوالى القصائد برثاء لعامٍ آخر كل بضعة مقاطع. وأيضًا في قصيدة عنوانها ”حين تمطر الأكاذيب“ تكتب الشاعرة: “يا إلهي كم كنت أحب الشتاء“ والهدف توكيد توقف الزمن يمعنى توقف الفرح، فإذا كان:
”الوقت دود لحوح
والحب إلتفاتة ساهية للقدر..
كيف تكون لي..
وكلما نغتبط
يتذكّر القدر سهوته؟“
لماذا أحببت ”تقاويم الوحشة“ وأرهقني المجاز فيه – هامشيًا؟
لأنه – ضمن رؤية غنائيّة للعالم وللحب وللنفس – يمنحنا بعض الاختلاف ولا يسقط في فخ تعبير مُفتعل عن شيء لا تُحسّه صاحبته – كما أحسسنا – بدعاوي تحديث النص وشروط أو مواصفات تلك الحداثة. لكنه أيضًا نموذج للكتابة الشعرية النسائية التي ليست مُرهقة في تراكيب المجاز مثل شاعرات عربيات أخريات قرأت نصوصهن المتاهية إن على مستوى الصُور أو المُفردات. وديوان كولالة يخضع – مثلما تخضع أغلب دواويينا وربما دون دراية واعية من صاحبته – لدائرة المحاذير التي نعلمها ونتنفسها، وتسم كتابتنا كنساء. وكتعبير عن أنثى تحب أو كانت تحب يُنشأ ( بضم الياء ) الديوان على الحنين للماضي الذي نعلم ماذا يعني على المُستويين الجمعي والاريخي للعربي، وأيضًا على المستوى الشخصي الذي تؤرخ الشاعرة هنا لتقويمه.
ثقافيًا نحن مجتمعات ”الما فات“، لأن مافات دائمًا أكثر جمالًا ومدعاة للثقة مما ينتج عنه عملية إمحاء مستمرة للواقع.
وقد يصبح الفعل المضارع طموحًا أو قد يستخدم لوصف الماضي استنهاضًا على أنه الراهن.. بما يشحذ هذه الغنائية المضطربة في خلم الوثب خارج القفص.
إن سطوة الشعور بالزمن الذي هو – بالمعنى الوجودي – التنين المنتصر وجوبًا، وللعربي هو سجل خيباته وتاريخه المعتدى عليه، هذه السطوة مسرّبة في الديوان:
” الوقت دود لحوح
والحب التفاتة ساهية للقدر..“
وفي قصيدة أخرى تقول الشاعرة:
”يهزم الشتاء
لأنك لست لي!!
ولا ينفعه ندى فجر غريب ..!
السلام المُهاجر جر أعمارنا
ولكي نسد الغياب
نقتعد وبأيدينا مفاتيح الأبواب
لا تطل إلا علينا.
وأنا أنتظر“.
وكأنثى شاعرة بالوقت تكتب كولالة: “ خمسة عشر فطامًا / بلا هدهدة منه/ خمسة عشر فطامًا / دون أن يضمني معه شتاء / خمسة عشر مساء × (12×330) / دون ( أوميد).“
هنا ”مقاعد مهجورة“ و ”قناصون أشباح“ و ”حنين فائض لتواريخ منشرحة صالحة للتدوين“. والشاعرة تشاطر ”المرآة بقايا عام /فينبت بكاء / تتزاحم فيه خطوات أنوثة عاطلة / ويدان مستسلمتان للفراغ“. وهناك ”عتمة .. وحوافر ذكرى“.
وفي قصيدة ”عطر أخضر“ تقول:
”سأنامُ قليلًا
على طرف نافذة
مثل خيمةٍ عنيدة
على ركام منزل
أو ابتسامة تُطل
على قرية من صراخ
سأعاقب قلقًا يتبعنا
ونحن نُمسك احتمالية الفردوس“.
أما في قصيدة لابنتها فتكتب ”وأورثك أسئلة / وزوارق لم تغادر موانئها أبدًا / ورغبات/ لم تألف قلبًا يؤويها ”وفي قصيدة أخرى ” أوقف … دوران الساعات“.. هذا الزمن الواقف أو توقيفه، هذه المقاومة للتبدل وعدم تصديقه هي موقف غنائي بامتياز . واللغة الشعرية المرتبطة بهذه المواقف ستنسخ آليات كبح تخييلها، فهي إذن ”كابتة“ لنفسها إلا في مساحة التغنّي بالألم، بما نظنه قدرًا أو وسمًا فيما هو إنجاز سوسيو ثقافي صار نحن.
تتألم كالمرأة عربية من قسوة مزدوجة للزمن والحبيب فتكتب:
”تغزل الزمن من ألوان وقتي“
هكذا الجسد غير موجود إلا حين تتذكره وتذكره صاحبته:
” حين تعبر كل يوم بلا استفهام
في أنفاق انتظار جسدي
أنكسر مرتين:
مرة .. لجفافك
وثانية لكومة ليالٍ لا تنام“.
ولديها مراوحات ما بين التغنّي بالنفس أو رثائها وبين إدانة الآخر:
لك في حرفة الزخرفة
أربعون عقدًا
لم أكن سوى نقشة أنيقة
على آخر وسادة“.
وأيضًا :
هرب من ضوئي
سرجه لا يصلح إلا لظهر الظلام“.
إن الزمن بتكثّل وينحل في فعل الكتابة عنه أو يعيش أحد أطواره (ماض – حاضر) والمستقبل ليس مغريًا للكتابة بنفس القدر. ويتسق من الزمن المرثي في النص تلك الاستدارة إلى الوراء التي تحتضن أنشودة النفس بتأملاتها وعذاباتها وذكرياتها.
إن تكرار مفردات أو صيغ أسلوبية ليس حيلة جماليّة فقط. إنه تقنية للتعامل مع الزماني ربما تعكس فلسفة معينة تنطوي على دعم فكرة التوقّف الذي قد يكون مكانيًا أو زمانيًا كذلك، أو الثبات في مرحلة نفسية ترفض أن تسدل الستارعلى الماضي أو على الذاكرة بوصفها ماضيًا مجلوبًا مبعثًا وقويًا. إن تكرار مفردة ما يؤكد الغنائية بمعنى إيقاع موسيقى ما، والإيقاع الموسيقي هو إيقاع الفكرة وإيقاع الإحساس الذي يكشف عن التغنّي.
” مهيأ تمامًا
وأنت تعبىء في
بآخر ما لديك من قسوة
قبضة من نثار القلب
أو زُرقة من انتحار غيمة
مهيأ تمامًا
لتسدل على الذاكرة
ما طاب من طين
مرصّع بأغصان
لأحلام مشرّدة“.
هذا في ”انتحارغيمة“. ولأن الماضي هو المنطقة المُثلى للحلم الذي يفتق الغنائية (لكونه المكنطقة الحصريّة للحنين) تفور التوستالجيا المعترفة بامتداد المتن في قصيدة حادّة في وخز المقارنات بين الأنا والآخر عنوانها ”أنا أحلم“:
” أنا أحلم،
وأنت تعد أنّاتي نبرة نبرة
أنا أحلم
وأنت تعد صباحات فائتة
أنا أحلم..
وأنت تعد للآتي تفاصيل الحساب
أنا أحلم..
وأنت تشذب حدود الخطوة
أنا أحلم..
وأنت تبتسمُ بوقار
أنا أحلم….“
إن الحديث عن ”ذكرى قديمة“ و “غبار يهرم“ و ”حوافر ذكرى“ و ” موتنا المتكرر“ وأسئلة استنكارية ناضجة بالعتاب وعدم التصديق وتقرير ما هو أهل للسخرية من حقائق: ”حتى الشتاء يهرم؟“، ”كيف نلتقي في الغياب“، ”بتر للذاكرة/ بتر / حين أمسك قلبك / بتر للحواس بالخدر“.. كلها شكوى من الألم الذي يعطل السلام ويميل على نفسه كأنشودة طفلٍ مهووس بعالم يتفلت وبنفجر ضد طاقتها على العذوبة والإخلاص لولا أن كولالة تفعل هذا، أي تنشد نشيدها أو نشيجها ليس بصراخٍ إنما بمجازٍ يكثر على أغلب النصوص حيث المجاز ضرورة لغناء الروح . غيرها يفرط في هذا أكثر منها أحيانًا.
لكن التعاطف الإنساني ممزوجًا برثاء الذات المشجومة ( الشخصي والعام)، يتحقق في قصيدتها تهديها ”إلى روح العتال أبو ناهدة“ أحد ضحايا العنف الخستيري في العراق من أبرياء الشارع والقدر، فيما ”تشكيلة أخيرة للوطن“ بتقاسيماتها إلى خمسة مقاطع تتجاوز رثاء النفس إلى رثاء وطن على خليفة اعتقال الرئيس العراقي الراحل صدّام حسين وإشاراتها إلى سجن أبو غريب وفظاعاته في ظل الاحتلال الأمريكي وعلاقة الأمومة – البنوّة في التعامل مع واقع ممرض باختراع التهم للمواطنين. وهنا ذكرتني إحدى القصائد حقًا بقماطع مطوّلة من ”رواية“ لغادة السمّان هي ” ليلة المليار“. مقاطع كولالة حواريًات موصولة السخرية ومشبعة بالهم الإنساني والتفجّع والحيرة على فكرة استبدال الألم بالألم. ولأنها كرديّة وقبل هذا إنساة وشاعرة فالوطن يظل شرخًا – مضاعفًا – عن شرخه للعربي المستلبة أرضه .. فقبل أن تغتصب أرضك، يجب أن يكون لك أرض.. ليتمّ اغتصابها. إنه كما تقول وتصفه هي (الوطن): ”موت قديم وحرب قديمة . موت جديد وحرب جديدة“.
إن صدمة اتهام الآخر للذات تتواشج في الديوان إما بأسئلة دائنة للآخر وتعلى نبرة التبرئة للذات أو تدخل في حال من تدويم الاعتراف الرومانسي ببساطة.
ومرة أخرى هذا نزوع شعري يكاد يكون لا إراديًا في المتن لصالح الغنائية. نعم، يجب أن نصدق أن النثريين يقدرون أن يكونوا غنائيين. وهي غنائية بمعنى ذهول النفس في مواجهة العدوان على المعنى، الحاجة للاطمئنان إلى معنى في العالم وله. هكذا تكون ما بعد حداثية النص موضع مساءلة وتلتصق به فقط شبهة الحداثة كآخر حائط للمعنى وللنفس وهي تتشرخ وتعاني من ذلك وتدركه.. وأيضًا تقاومه.
والمعنى أيضًا هو إحساس بقيمة اسخة، شعور ما وتصديقه على نحو يقيني. كما أنه السياق المنطقي الافتراضي لمنظومة علاقات سببية يُخلف نسفها أو قلب معادلتها ( العلاقة بين سبب – نتيجة ) نسفًا واجتزاء للروح تظل أحلامها و مشاعرها تملي الحيرة والانشقاق وعدم الفهم بإزاء الحصاد، وعدم الحرج في الإعلان عن الحاجة للمعنى، للفهم.
تأتي بساطة تكرار الاعتراف ( كما في قصيدة عنوانها ”رومانسية“ تبدأ ”أحبّك“ ويبدأ مقطعها الثاني ”أحبك فعلًا..“ والثالث ”أفتقدك“ والرابع ”اشتقتُ لك“ ) كلها إنشادات أو أناشيد تتعالق مع القليل من مفردات اليوميّ داخل النسيج النصيّ للتقاويم صانعة قصيدة نثر مأخوذة برغبة العالم في التفكيك فيما الذات الشاعرة لا تدري ماذا تفعل مع هذا، وهي – هنا – ذات نازعة للربط والترابط لكنها تجد ”أشياء مخلوطة بين الموت واللاموت“، و ”التفكك عالٍ في لغة الكلام/ ونحن نتساقط منا“ (من قصيدة ” طاعن في الخيبة“).
عدم فهم طبيعة ( هل هي الكلمة الصحيحة ) الخداع.. هذه مساحة السخرية والمرارة ضمن استنساخ الألم لذاته توليدًا ذاتيًا قد يدعمه الآخر بالتكرار، ونرسخّه نحن بقبول متجدد:
”للمرة الأكثر تواطؤ
مع جرح أجدده طوعًا كوحشٍ بريّ“.
وأيضًا تقول:
”ولا قارب لي سوى
أمنية متكررة“.
وتكرار ”يا حبيبي“ بخصوصية ودفء النداء وحالته، غناء أنثوي فيّاض لا علاقة له بأوصاف كالحداثة أو غيرها. أنه – بكلماتها في سطر من قصيدة لها – ”حنين فائض لتواريحة صالحة للتدوين“، أو كما تقول هي في نفس القصيدة ”طاعن في الخيبة“:
”وأغنية شوق جنوبيّة ليكتمل المشهد
(….. ردتك تمر طيف
… ردتك تمر طيف)”.
إلى أن تصل الصورة في ذروة غنائيّتها ( والأخيرة مقتطفة من أغنية فولكورية أو شعبية عراقية) وشاعريتها إلى أن:
” تدق الساعة..
لا أمراء
ولا شبيهات ساندريللا!
تدق الساعة
والغطاء محكم
والبرد محكم، وصداكَ شاهدة على تبجح الجغرافيا!
فجارك اللصيق جدًا
لا يشبهكَ أبدًا
وجهك مقطوفٌ من بحر غريق
وجهه منتفخ من شدة الحياد
تستند على نشيدك الأخرس المحاصر بغباريثيره
حصانك المطعون..“.
ترث كولالة الغنائية – إرثنا العظيم. ترثها كـ“بارفان“ أو حاجز لكنها متوحدة معها، مع ذلك الحاجز كتكتيك وحيلة نفسية لا فنيّة – كأغلبنا ( النساء في اللجوء للغنائية وليس الشعراء الغنائيين الرجال مثل درويش أحيانًا). دوافع الغنائية ليست نقيّة ولا حرة حين تستعين بها شاعرة عربية معاصرة.. نعم قد تكون اختيارًا فنيًا لكنها أكثر من ذلك لأنها مشوبة بأشياء، بخصوصية ميراث ”النوع“، بأنوثة المرأة في مجتمع قامع.
وما أحببته في الديوان كان مساحات الحريّة المخطوفة.. حين تكاد الشاعرة ”تنسى“، ( لكننا نعلم أنها لم تنسى ) فتقول:
” كثيرون
هم الرجال
لكنهم ليسوا سوى ضجيج“
وأعجبتني دقة فهم الأنثى لأغوارها، بحسرة لا تدعي عدم وجودها. الحسرة التي تستحق نوط الألم بإمتياز.
”للمرة الأكثر تجاهلًا للأعراف
أعد لك جلبةً قصوى
من دمٍ مهزوم
وقلب يستيقظ على مشرط
للمرة الأكثر تجاهلًا للكرامات
أنام تحت شرفتك
ثلاثين دهرًا
قد أنهض بمنطاد وهم (كما تقول).
باتجاه النبذ
….“
وفي نفس القصيدة:
”للمرة الأقل أملًا
في أن يكون للأحلام مأوى“.
وهي بحرية تلقيها في وجوهنا قد تتباعث – تحاول لتثأر من ألمها:
” أفتقدك
ليس تمامًا!!
حولي الكثيرون ليفقدوني
إغماضة عيني آخر النهار كي أزاولك“.
أو مثلا تقول: ”جسدك ربوة
مفخّخة بالنحل
وجسدي أدلاء خونة !!“
والمرأة ليست حرّة في أن تجن. يسمح فقط بالتظاهر بجرعات مضبوطة ومحسوبة من الجنون وليس فقدان العقل، فقط لكي يضيف الجنون لرصيد أنوثتها وإغوائها، أي بقدر ما تصير أكثر جاذبيّة وموضوع رغبة لدى الآخر.
ويسمح للشاعرة الأنثى بالغضب – طالما موضوع ذلك الغضب ومسبّبه هو الرجل. فها هي كولالة نوري:
”أغرز أصابعي
في لسانه
يفاجئني بهلاميته
أخترق زجاج النافذة
ينزف الشباك صور غواصين
وصورة دلفين نائم“
وهي هي تتوعد:
”سأقشّرك بانطفاءة
وأُخرج اخضرار قلب
وهو ينأى عنك“
وفي ”لقاء عبر الأقمار الطبيعيّة“ نقرأ لها الآتي:
”هل أنت من الساسة؟
– لم أفهم السياسة يومًا..
هل أنت مراقبة للوضع الراهن؟!
– أنا أخافُ حتّى مُراقبة شِعري
هل أنت مناصرة؟!
– النصر.. ! المناصرة..؟
مفاهيمٌ معقدة!
هل أنت معادية؟
نعم عدوت طويلًا كي لا أتعب .. الآن!
لم تفهمي .. أقصد هل أنت من جهة الأعداء؟
– أنا من جهة العراق.
حسنًا بما أنكِ من جهة العراق..
هل مررت بعربة الموت بالتحديد؟
هل هناك عربات أخرى؟
يبدو أنك متعبة .. دعينا من السياسة..
أنت جميلة .. حدثينا عن انوثتكِ؟“.
وبآخر المقطع تقول:
”انظري ابنتكِ تلوّح للأمريكان..
– وأنا ألوّح للأمل بدمعة“.
وتكتبُ شيئًا جميلًا في جزء من المقطع الأوّل من ”تشكيلة أخيرة للوطن“.
”هذه صورة الوطن الأخيرة إذن..
الدكتاتور يفغر عن فيه
ونحن أيضًا
هو كي يعيشَ اكثر .. ربما بضعة أوهامٍ أخرى
ونحن كي نمرن الشفاه خارج أوتار الصمت
البلد يدور
ولا رأس له كي يراجع جيش اللافتات في الشوارع
الديكتاتور يحتفل في سجنه بعيد ميلاده مع كعكةٍ أمريكية
و“أبو غريب“ يحتفل مع داعرة أمريكية
وهي تجرّب كبتها الحضاريّ…
الجسد يرفض هذا المساء
تفاصيل الجسد“.
وبهزيمتها تكتب: “فالرقعة نفسها
بالأبيض والأسود
وأنت لست الملك..!!“.
وبصدقها وأمومتها تكتب لابنتها:
”سأقرأ عليك
كهوف رئتي
التي تسعل من شدّة الإخفاق!
وأورثكِ أسئلة
وزوارق لم تغادر موانئها أبدًا
ورغباتٍ لم تألفَ قلبًا يؤويها
……..
………
………
لم تجديني جميلة
أحرقني العناء
لن أخفي وجهي عنك“
وبسخريتها كأنثى:
“تارة
يجهز المن والنشوى
كلما فطن
أنا ما وقع على رأسه ليس بحجر
إنما أنثى..!
فجأة
يلفني بشظايا حوار
ناسيًا أنني لست من صفيح!.“.
إن المرأة تعوّدت خاصة في العالم العربيّ، وربما الشرق – أن تكون مادة، موضوعًا للكتابة والإلهام. ومحاولتها انتزاع مساحة لصوتها المشو المخرس يعني خلخلة المعادلة لأنها تريد أن تكون ”أنا“ فاعلة وقائلة على المستويين الشخصي والتاريخيّ فكيف تنجز هذا وتبعد البد النازلة بحسم وعنف على عنقها؟… كيف تقول المرأة ”أنا حرة“ ولا تؤول إلى ”أنتِ بغيّ“؟
كيف تكون صادقة حين لا تكتب عن جسدها وغير صادقة حين تكتب عن حبها الرومانسي : (أو بالكاد فيه فقط ) وهي الاثنان معًا ، روح وجسد؟.
وإلى متى يظل الانتخاب مدموغًا بآليات تعصب اجتماعي ذكوريّ تفضّل باستمرار الأم – العذراء – الملهمة في ثالوث لا يحتمل مزاحمات أخرى لصور أكثر انشطارًا وتعددًا للمرأة؟
وبالنهاية بعد كتابة مقال كهذا ورغم أن رأيي في نفسي هو الفيصل، لماذا أريد أن أؤكد لمن لا يعرفني كم أعاني من رومانسيّتي؟ لماذا يقلقني ويهمني رأي زملائي الرجال؟.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


Site is using the Seo Wizard plugin by Seo.uk.net ( seo.uk.net )