عبد الرحمن تمام يكتب: فاتني | موقع قصيدة النثر - kasedat-elnathr-site

عبد الرحمن تمام يكتب: فاتني

مَنْ قال

إنني حملتُ مِعْولاً وصاعقةً

واخترعتُ حرباً على كأس الوردة

ثم آخيتُ تحت ساقها ، بعد زمنٍ، بين شحّاذين وأباطرة

مَنْ قال

إنني ادَّرعتُ بإرثي

ومضيتُ.. غيرَ عابئٍ بشيءٍ

سوى أن أُعرّشَ كلَّ صرخةٍ بالأقحوان

وأستلّ الفحيحَ من غِمد الندى

مَنْ قال

إنني أُجهّز مائدةً في حَلبةِ الريح

وأدعو وحوش السماء وبنات آوى إليها

لنُشعلَ بالمناقير الحادّةِ والأظافر هَسْهَسةَ القُنْبِ والإنشاد

مَنْ أقنعكِ بكل هذا السُخْف؟!

عجيبةٌ!

ما كنتُ إلا شاعراً.

أعرفُ

أن طائفةً من الشعراء إذا اصطادوا سمكةً

واطمأنوا أنَّها في أيديهم

رَدّوها ، هازئين، إلى النهر

ربما

ليُلهِبوا برعشتها المذعورة خيولَ أبجدياتهم!

لكنني لست من هؤلاء!

لم أمتلك في حياتي سنّارةً واحدة

(على الرغم من أن الفكرة راودتني طيلة سنوات)

كما أنني ذو حظٍ سيّءٍ في الصيد أصلاً

..

تعالي

ولنفترض الآن

أن ما يدور بخلدك صحيحٌ

وأن الذي بيننا ليس حُبّاً

إذن

ما الذي يجعلني أخصّكِ بما أُحِبُّ

وأُحِبُّ ما يخصّكِ؟!

في الليل

كثيراً ما أرقب عينيكِ الناعستين

محدّقاً في صورتكِ

وأتساءل:

أيُّ شيء فاتني معها؟

وهل ، حقّاً، خشيتُ على لهبي المُهرّجِ

أن ينطفئ في مَحْبَسِها؟!

أو سبقَ وقلتُ فيما قلتُ إن للماء عسساً

وعساكر درك؟!

………

أن أحرّرَ المارد المحبوس في قمقم الموسيقى

فاتني

ليجرَّ الوحشةَ ، ولو قليلاً، إلى الزوايا

فاتني أن أُعِدَّ لكِ العشاء بيدي

وأدعوكِ بعدها للرقصِ

تاركاً للقبلات المحمومة أن تصير نوارسَ

فوق بحرٍ

كان من المفترض _والله_ أنَّه سينبتُ بيننا

ربما

من لجْلجة الماء

أو من صهللة الإيقاع.

فاتني

أن أقف خلفكِ وأنتِ أمام المرآة

وأطوّق خَصْرَكِ بذراعيَّ هاتين

هامساً:

لا ترمي بياضكِ لعُجْمَةِ الرمل

صُرِّيه لعرّافكِ كي يتنبّأ

دَعيه يمرّغُ ليلَ جوارحِه في نصاعته؛

فَـيدلّكِ على الخبيئة..

على لغة الربِّ المطمورةِ

ويبيّن لكِ ضرورةَ النَّبْرِ فوق الأكمام!

فاتني

أن أكون جواركِ

حين يعاود الدَّمُ العارفُ دورتَه

ويتلصّص على مرمر فخذيكِ بإزميله الثقيل

فاتني

أن أمشّط شعركِ

وأصنع لكِ ضفيرةً حُلْوَةً

كان بمقدوري لو فعلتها

أن أشدّها ، في مخيلتي، بين الجبلين الأقرعين: (صافون) و(المُقَطَّم)

وأرى الإله “بعل” و”ابن الفارض”

وهما يفرطان، على فَحْمتها، رُمّانةَ الكلام.

فاتني

أن أُكمِلَ لكِ حكاية ابن شاه بندر تجّار مصر

“علاء الدين أبي الشامات”..

لأعاركَ الزمنَ، من جديد، بشهقةٍ

تَقِرُّ

عند تأزّم العُقَدِ جغرافيا

وزفيرٍ

يصّاعدُ ، مع انفراج الَحْبكة، تاريخاً

يؤاخي الهوامشَ

ويُرْبكُ ، بنَعْناعه وسَرْخَسِه، متونَ الأولين

فاتني

أن أُمسِكَ بكفِّكِ تحت المطر

أن أُخرجَ إصبع (الروچ) من حقيبة يدكِ

وأكتبُ على جدران الأزقّةِ التي أَلِفَتْ خُطانا:

« يا أهل الحي..

مَرّتِ (الرَّحمانةُ) الخضراء من هنا!».

فاتني

أن أنادي ، بــعزم ما عندي، عليكِ

غيرَ راغبٍ في شيء

سوى أن يأتيني صوتُكِ دافئاً، أخّاذاً..

صوتُكِ

هذا الذي دوّخني ، طوال ثلاثين بَرِّيَّةً، بـحَفِيفَيْه:

حفيف شجرة “بوذا”

وحفيف تنّورات (هوليود) قبل الحرب الباردة

أوه!

كيف فاتني أن أغازلكِ

ولو حتى بما غازل به الآباء الراحلون أمّهاتنا؟!

وهل سَيُجْدِي ، الآن، غَزَلي؟!

…..

إذن،

شفتاكِ: غَيْبَةٌ صغرى.

ريقكِ: وعلٌ يداهمُ قنّاصَه ويسحبه ، طافراً، إلى شَرَكِ الفصول!

ثغرةُ نحركِ: أثرٌ لعكّاز نبيٍّ، تمهّلَ في خطوه ، بُرْهَةً، لمّا فَطَنَ إلى رفيف الوحي.

صدركِ: خَضْخَضَةُ الوَجَلِ. أكلما كاشفتُه استعذتُ من مصير صاحب الجنتين

ومصير أصحاب الأخدود؟!

بطنكِ: تلمّستُ رَحْبَـتَها ، زَمناً، ومعي مثلٌ وآية:

المثل_ “لا يَعْدَم عائِسٌ وُصُلاتٍ”(1).

الآية_ “وأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم ماءً غَدَقًا”.

سُرّتكِ: شعبٌ فرحان!

عانتكِ: أرضٌ، عاينتُ فيها “أوزوريس” وهو يمسح عَرَقَه وراء محراثه، باسماً،

والأبدية تزأرُ ، فوق هامته المضيئةِ، مثل لبؤة كَؤود.

وفخذاك: لُجَّتان بيضاوان، وبينهما عُواء!

فاتني أن أعتذر عن سخافاتي:

* أنا الذي كتبت لك في عيد الحب عبر (الماسنجر)،_

«سامحيني..

لأنني لم أُهدِكِ وردةً

ليس لأن المسافة ما بين القاهرة واللاذقية بعيدة

بل لأن المسافة ما بيني وما بين الوردة أبعد!» .

* هنا، في قلب الصالة، وبعدما التقينا

كنّا نلعب الشطرنج

فكّرتُ ، لوهلةٍ، أن أُطلِقَ عصافير صدرك

ثم تردّدتُ طويلاً

وانشغلتُ بظِلِّ بيدقٍ يُسِرُّ لصاحبه:

_متى نرى الشَّعبَ على الرُقعة؟!

جباناً كنتُ يا حبيبتي

إذ تهيّبتُ ، ساعتها، القبضتين:

قبضة الچنرال

وقبضة الدانتيلا!

*يوماً ما، حكيتِ لي عن نملةٍ صغيرةٍ

تماهيتِ معها

وأنتِ مستلقية على بلاط “الڤرندا”

آنذاك

ارتكبتُ الخطأ ذاتَه ثانيةً

واستعرضتُ، مُباهياً، فيالقي وجحافلي وجُندي

ألم أكُ أملكُ من الحكمة ما يجعلني

إن فُتَّ على وادي النملِ

تركتُ نشيد الأناشيد دهناً وسُكَّراً؟! ….. (سخافة ثالثة)

فاتني…

فاتني الكثيرَ معكِ يا “حَباب”

ولكن أكثر ما يحزنني

أنني لم أتعلّم الرَّسم من أجلكِ

أتذكرين مشهدي البائس؛

ذاك الذي كرّرتُه على معظم صفحات (الإسكتش)

رغبةً

في إتقان شيء واحدٍ يبسطكِ؟

……

نعم!

بالضبط

رجل وحيد يقف خلف نافذته

ويتطلع ، بابتهاجٍ واضحٍ، إلى خُضرة الحقول

خلفه ، وفي أقصى الغرفة، تقبعُ سنارةٌ كبيرة

يحاول أرنبٌ أبيض أن يزحزحها بقدميه الأماميتين

(وضعتُ السنّارةَ هنالك كرامةً للسرياليين الأوائل

وتحقيقاً بالطبع لحُلم قديمٍ في امتلاك واحدة تشبهها)

ثمة أسماكٌ زُرقٌ كانت مُعلَّقةً على الحائط دون مِشْجَبٍ

وفلاحون ، على البُعْدِ، بوجوه تشبهني

يرفعون مناجلهم عالياً

والغضب يتبدّى ، واضحاً، في عروقهم النافرة

كنتِ قد سألتِ لمرّات ومرّات:

_لماذا تؤخّر الشمسَ ، دائماً، في اللوحة؟!

فأصمتُ ، وقتئذ، ولا أجيب

ليتني قلتُ:

«أردتُ أن يمتنَّ لكِ الفلاحون..

فاكشفي عن سَعْدَانتيْ(2) صدركِ

ليستكين المشهدُ كلُّه ببَهار الضوء والنور!» .

ليتني قلتُ للفلاحين العابسين:

«هي الرحيمة؛

فلا تحزنوا

فـتحت سمائها شمسان!» .

يا إلهي!

كيف فاتني أن أفعلها؟!

كان بإمكاني

أن أجعل هذا الأحمق الذي يقف خلف نافذته،

الأحمق الذي يرتدي قميصي وقبعتي

يحمل هذه السنّارة بكلتا يديه

ثم يُدلّيها قليلاً

فلا يُباغَت المشاهدُ العابرُ كلَّ مرّةٍ

بالسمكة

التي تضيء ، فجأةً، فراغَ النافذة!

_________

(1) يضرب هذا المثل لمن يرمل من المال والزاد فيلقى الرجل فينال منه الشيء

ثم الآخر حتى يبلغ أهله.

(2) السَّعْدَانةُ : ما استدارَ من السَّوادِ حَولَ حَلَمَةِ الثَّدي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.


Site is using the Seo Wizard plugin by Seo.uk.net ( seo.uk.net )