عباس ريسان يكتب : من يرممُ خرابي | موقع قصيدة النثر - kasedat-elnathr-site

عباس ريسان يكتب : من يرممُ خرابي

عباس ريسان

( من يرممُ خرابي )

إلى / غيث رزاق

ــ 1 ــ

وإن أخرجتَ من جيبِ قلبكَ، كلَّ هذا القلق

وإن سحبتَ الكونَ من ردنيهِ

ونثرتَ ابتهالات صوتكَ، فوق دروبِ صمتهم

فلن تكون صاحباً لتلكَ الوجوهِ، أبداً

تجوبُ المدائنَ

تقتفي آثارَ من مروا على جسدكَ

الراحلون، المنزوون، الخائفون،

يومئون لكَ بريبةٍ،

حيّ على الفراق

ــ 2 ــ

قل: للربِّ أغنيةٌ ولي فضائي

قل ما استطعتَ

فلن يموتَ ندائي

قل: ــ ما شئتَ عنّي ــ

أعرفكَ الآن تقرأ لي، تمعنُ بكلِّ وجهٍ من وجوهِ اتقادي، أتعبتكَ التفاصيلُ، أعرفكَ تدندنُ بلا شعورٍ ــ بكلماتي ــ لكنَّكَ سرعان ما تستيقظ متورّماً بشحوبكَ، متلعثماً بآخر الحروفِ، وربما صارخاً: كيف يفعلُ ذلك ؟ لمَ لا تأتي القصيدة لي ؟

ما أعمق بحارَ أسئلتي

ويدايَّ ترتجفان، كأنَّ ثلجَ الكونِ يجمّدُ أيَّ جواب

القصيدةُ لا تستقرُّ على أصابع الرماد

ــ 3 ــ

حينما كانوا يلتقطون صوراً لملامحهم، كنتُ أفهرسُ خطواتي للوصولِ إلى مبتغايَ

هناك كان الحرفُ ينقرني فتتشحُ العزلة بالضوء

وعليهِ: لنجمعَ سويةً كلَّ هذا الحطب، ونسيرُ باتجاهِ الريحِ، معلنين ولاءنا للنارِ

جذعان يحترقان، لن يلوّثا هذا الكون بالدخان

من لم يُغنِ، لن يعرف طعم اللهَ بين شفتيهِ

بدون ألم، كيف يقفُ ــ كلَّ هذا ــ الحريقُ على أصابعي!

وأهمسُ: هل للصحو حدٌّ كي يستفيقَ جنوني ؟

لمَ أنا هكذا، يحسبني الذي رآني، متبرجاً بخطيئتي، صدَّ واضمحلت خطاه

كأنَّ إبليس لم يكن لنا رفيق

ــ 4 ــ

ومن تعاليم بوذاي:

ــ كلّ ما لم نره لا يمتُّ للضوءِ بشيء

ــ الوهمُ هو الحقيقة المُثلى التي نتشبثُ بها وتُسيرنا

ــ لا راحة لقلبٍ يجهشُ بالحنين

ــ اللهُ، كلّ شيء، أنا، أنتَ، الوردةُ التي تجبرني على عبادتها،

وأقصدُ: شمّها بخشوع، لكلّ أولئكَ قل: أنا أحلّقُ بلا وصاية

ــ 5 ــ

ناقمٌ على الوجودِ، ذاك الفتى الخائف من وجودهِ، ــ الآن ــ مَن يسرب إليهِ حفنةً من الهواء؟

أيُّها الربّ اغرز عصاكَ، برئةِ الأنهرِ الملآى بالدماء، اجعل سكاكينكَ ترسمُ مُدناً أخرى بلا نحن، مللنا الوقوف على رقبةِ الوجع، السقوطُ أكثر راحة من التأرجحِ الأبدي

وكفى،

آمنتُ بكَ قبل أن ينزلَ وحيكَ، ويممتُ وجهيَ صوبكَ، بلا دليلٍ ولا سؤال

أنا المتيّمُ بما تساقطَ من شفتيك، يا كلّ الذي يغصُّ الآنَ بفمي، يا رحلة العذاب.

أيُّها المارون على وجعهِ، دعوه يبكي

لديهِ خزينٌ من الدمعِ

يكفيهِ، لزرعِ الذهول على عتبات السماء

ــ 6 ــ

ـــ مازال الموتُ جميلاً، بعيون تلك الموجة المندفعة باتجاهِ الفريسة

ـــ مثل لصٍّ مدَّ البحرُ يديهِ، ليسرقَ روحَ ذاك المتجه لبرِّ أمانهِ،

ـــ البحارُ لا تخجلُ أبداً، مومسٌ في سوقٍ شعبي

ـــ عندما شقَّ موسى بعصاهُ البحرَ، عادَ أبناءُ الماءِ، ليمزقوا أجسادنا

ـــ المركبُ صديق الموجةِ، فيا أيُّها العابرون، تشبثوا، لا مكان للدعاء

ـــ كنتَ هادئاً قبل أن أمتطيكَ، كنتَ آيةً، كنتَ إلهاً لا غريقَ فيكَ

ـــ قلتُ: ما تلكَ بجوفكَ يا بحرُ، قال: إنَّها بقايا جثةٍ لعراقيٍّ هارب

ــ 7 ــ

لا رغبة للعصفورِ بالتقاطِ حبّةِ التحليقِ، بهذا الدخان

لا رغبة لي بانتشالِ حطامي، ــ حطامُ العمرِ ــ أيُّها السرابُ

لا رغبة للفناراتِ برشِّ الضوء فوق حلمةِ البحار

لا رغبة للجوعِ من اقتناصِ لحظة الرغيف

لا رغبة لي، بالنومِ على أريكة الحلم،

بدقّ المسامير على غيمةِ الرحيل

بالاعترافِ أمام من أحبّ، بأنّني أرى الله دائماً

أجل، أرى الله

والعالم يسيرُ باتجاهِ التقشّفِ والانحلال وصناعة القبور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.


Site is using the Seo Wizard plugin by Seo.uk.net ( seo.uk.net )