عباس ريسان يكتب : صندوق | موقع قصيدة النثر - kasedat-elnathr-site

عباس ريسان يكتب : صندوق

عباس ريسان

( صندوق )

إلى حاتم الصكر وهو يرتبُ ذاكرتَهُ بالصور

ــ 1 ــ

غيمةٌ مرتْ على رأسِ المكانِ، سوداء مثل وجهِ لحظةِ الفراقِ

كأنَّها العراقُ

لمّا تلبَّدَ بالضجيجِ والرصاص

لمّا استقرت على جبينهِ الحرابُ

والمدى سيلٌ من الدخانِ، يستغيثُ بربِّ الهواءِ، كُن

ها هنا، مسيرة دمعتينِ، كي نعبرَ الألم

كُن كالخبزِ في أعين الجائعينَ

وامضِ بنا ــ إلى هناك ــ بلا كلل

ــ 2 ــ

تموءُ مثل قطةٍ، روحكَ، وهي تتلفّتُ وتستغيثُ بالفراغ

تنزوي مثل طفلٍ، خافَ عقاب أبيه، إذ لا مفرّ من رجفةِ السؤال

كانا جناحاكَ يطوقان وردتيك الذابلتين من البكاء

وكنتَ تمشي وحيداً، باتجاهِ عزلةِ الذاكرة

كنتَ تبحثُ عن جدارٍ تستعينُ بهِ، لتواري جسدكَ المفضوحَ للجميع

كنتَ تشهرُ بوجهِ السوادِ بياضكَ،

وتلقمُ المسافات بما أوتيتَ من خطى

علَّكَ تبزغُ مثل شمسٍ في الصباح

وتستريحُ من رحلةِ التعب

ــ 3 ــ

كلّ شيءٍ يشيرُ إلى المقصلة

كلّ شيءٍ مثل صندوقٍ كبيرٍ، أنّى التفتَ ثمة اغتراب

هكذا رأيتهم في شاشةِ الغيابِ، قرأتُ سيرة الجحيمِ في عيونهم

 يزرعون الرعبَ، ينفثون الخوفَ، يقمّطونَ الدروبَ بالصراخ

ملثمونَ، تائهونَ، جائعونَ، يغزلون من ليلهم فخاخ

 والترابُ حتى التراب يصعدُ كالأنينِ

ويسقطُ كالغروبِ على الشفاه

ــ 4 ــ

ليس لي غير الصور،

بها استعيدُ عافية الحضورِ

وبها أرممُ انكساراتِ الحكايا، وأعيدُ صياغة الزمن

هنا جلستَ، هنا وقفتَ

هنا أكلتَ، هنا لعبتَ

وهناك أرجوحة كانت تطيرُ من الفرح

كانت ترفرفُ كحمامةٍ، إذا ما رأتكَ قادماً، لتفكَّ قيدَ جمودها

كأنَّها كانت عليكَ تستريح، وليس أنت

ــ 5 ــ

مازلتُ أبكي

ومازالتْ رائحة قدومكَ نحوي، تُثيرني لأقبّلكْ

مازلتُ أحكي لطفلتيكَ

عن مواسم الغيابِ، عن شتاءِ الروحِ،

عن قلقِ النوارسِ بعد جفافِ أنهر اللقاءِ

ثمَّ أعودُ وأسألكْ:

كيف نظرتَ إلى اللهِ لمَّا رأيتَ قاتلكْ؟

لمَّا فتحتَ صدركَ للريحِ

وسرتَ مُقيّداً إلى هناكَ، ومَنْ معكْ

هل صرختَ بوجهِ الكونِ؟

آهٍ

ومَنْ يسمعكْ !

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.


Site is using the Seo Wizard plugin by Seo.uk.net ( seo.uk.net )