شريف رزق يكتب : آليَّاتُ الخِطابِ الشِّعريِّ في تجربة صلاح فائق الشِّعريَّة | موقع قصيدة النثر - kasedat-elnathr-site

شريف رزق يكتب : آليَّاتُ الخِطابِ الشِّعريِّ في تجربة صلاح فائق الشِّعريَّة

15328225_1385589038148610_1477833962_n (1)

شريف رزق

آليَّاتُ الخِطابِ الشِّعريِّ

في تجربة صلاح فائق الشِّعريَّة

 …

تُمثِّل تجربة الشَّاعر صلاح فائق (1945- )، مَعْلَمًا بارزًا في خريطة الشِّعريِّة العربيَّة الجديدة ؛ وهيَ تجربةٌ ذاتَ تجدُّدٍ دائمٍ ، منذُ خمسينَ عامًا، ومنذ البدايةِ جاءَ صوتُ صلاح فائق شخصيًّا وخاصًّا وكثيفًا، في نبرةٍ خاصَّةٍ، وأداءٍ يجمعُ بين الوعي واللاوعي، وبين المعِيشِيِّ والإنسانيِّ والكونيِّ، ومِخيالٍ حُرٍّ وباذخٍ، وليس من الدِّقةِ اعتباره شاعرًا سرياليًّا، أو إدراجه بسهولةٍ واطمئنانٍ ضِمنَ وصفةٍ مُحدَّدةٍ لشعريَّةِ القصيدِ النَّثريِّ.

وصلاح فائق أحدُ شعراءِ حَلقَةِ كركوك؛ الَّتي تشكَّلتْ موجتُها الشِّعريَّةُ، في أواخرِ السِّتينيَّاتِ، مِنْ الشُّعراء: سركون بولص، وصلاح فائق، وفاضل العزَّاوي، ومؤيَّد الرَّاوي، وجان دمو، والأب يوسف سعيد، وشكَّلت مُنعطَفًا شعريًّا جديدًا، عن مفهومِ الشِّعريَّة الجديدة، المتركِّز في تجارب شعراء مجلَّة: شِعر، اللبنانيَّة؛ هذا المفهوم المتواشج مع الشِّعريَّة الفرانكفونيَّة والشِّعريَّة الأنجلو سكسونيَّة، والمتمثِّل في أعمال: أدونيس، وأنسي الحاج، وشوقي أبي شقرا، وعصام محفوظ، وجبرا إبراهيم جبرا، ويوسف الخال، وإبراهيم شُكرالله. ومن بين شعراءِ كركوك كان التَّأثيرُ الأبرزُ، والحضورُ العربيُّ، مُتركِّزًا في مُنْجَزِ سركون بولص ومُنْجَزِ صلاح فائق.

غَادَرَ صلاح فائق العِراقَ في عام 1974، إلى دمشقَ، ثم إلى بيروتَ، ثم إلى لندنَ؛ الَّتي مكث فيها عشرينَ عامًا، قبل أن يُغادرَها، في عام 1994، إلى الفلبِّينَ؛ حيثُ يعيش حاليًا. وقد أنجزَ صلاح عبْر خمسينَ عامًا، نحو عشرين ديوانًا؛ منها: (رهائن)، دمشق، 1975، (رحيل)، لندن، 1987، (تلك البلاد)، لندن، 1987،(دببة في مأتم) دار الجمل، 2013.

ويكشِفُ الخِطابُ الشِّعريُّ لصلاح فائق، عنْ تضافُرِ مجموعَةٍ منْ الآليَّاتِ الخَاصَّةِ؛ الَّتي تتآزرُ، وتمنحُ الخِطابَ خصوصِيَّتَهُ الوَاضِحَةَ، بينَ التَّجاربِ الشِّعريَّةِ المَرْكزيَّةِ، في مَشْهَدِ الشِّعريَّةِ العَربيَّةِ الجَديدَةِ، ويأتي في مُقدِّمَةِ هذِهِ الآليَّاتِ: التَّوسُّعُ في إعْمَالِ مِخْيَالٍ شِعريٍّ باذِخِ وَحُرٍّ؛ تنصَهِرُ فيْهِ عناصِرُ تصويريَّةٌ وَمَعِيشَةٍ – التَّفاعُلُ الواضِحُ مَعَ حَيَوَاتِ الكَائِنَاتِ الأخْرَى؛ شريكةَ الكائنِ الآدمِيِّ في الحَيَاةِ الكَونيَّةِ – الانفتَاحُ على آليَّاتٍ سَرديَّةٍ وَدِرَاميَّةٍ وَبَصَريَّةٍ مُتنوِّعَةٍ وَمُتآزِرَةٍ – النُّزوعُ إلى لغَةٍ شِفاهيَّةٍ بسيطَةٍ، وَتَصْهَرُ هذِهِ الآليَّاتِ تجربَةٌ حَيَّةٌ، يتَدَاخَلُ فيها المَعِيشِ بالمُتَخَيَّلِ تداخُلاً عَمِيقًا.

 إنَّ بنَاءَ المُتَخيَّلِ الشِّعريِّ، في تجربَةِ صلاح فائق الشِّعريَّة، يأتِي عَبْرَهيمنَةِ مِخيالٍ حُرٍّ، لا تحُدُّهُ حدودٌ، قادرٍ على إزالةِ الحدودِ بينَ التَّاريخِ والجغرافيا، والواقعِ والحُلمِ، والمَعيشِ والأسطوريِّ، واليوميِّ والإنسانيِّ والكونيِّ، والوعي واللاوعي، مِخيالٍ خلاَّقٍ وجوَّابٍ ورهيفٍ وقادرٍ على الإدهاشِ الدائمِ، عبْر لغةٍ طيِّعةٍ؛ أقرب إلى الشِّفاهيَّة المعاصرةِ، وأقرب إلى شعريَّة التَّقرير؛ حيثُ يتجاورُ تحريرُ المِخيالِ الشِّعريِّ، معَ تحريرِ اللغةِ الشِّعريَّةِ، ونظرًا لِطَبيعَةِ التَّجربَةِ فإنَّ الإيقاعَ الأبْرَزَ لدَى فائق هُوَ إيقاعُ الصُّورَةِ العَجَائبيَّةِ المدْهِشَةِ، وثمَّةَ حِرْصٌ وَاضِحٌ على بَرَاءَةِ الرُّؤى وَالتَّعبيرِ، وَتتَجَاورُ براءَةُ الوَعْي وَبَرَاءَةُ الرُّؤى مَعَ بَرَاءَةِ التَّعبيرِ في إنْجَازِ الخِطابِ الشِّعريِّ، وَ تنتمِي هَذِه البَرَاءَةُ إلى وَعْي البدَاهَاتِ الأُوَلِ، وَوَعْي مَابعدَ الحداثةِ، معًا:

“مَلائِكةٌ مُسلَّحونَ يُطرِقونَ بَابِي

لا أُجيْبُ. لا أفتحُ. أرَاهُمْ منْ نافذتِي

أذْهَبُ إلى البيانو، وَأعْزِفُ، فيشتدّ الطَّرْقُ.

أطْلُبُ منْ دُبٍّ يخدمُنِي أنْ يفتَحَ البَابَ. يَذْهَبُ

أسْمَعُهُمْ ، بَعْدَ لَحَظَاتٍ، يهربونَ صَارخِيْنَ.”

لاتعرِفُ مُخيِّلةُ فائق الحُدودَ، في إقامَةِ عَوَالمِهَا العَجَائبيَّةِ الطَّازجَةِ؛ الَّتي يتجاورُ فيهَا المَعِيشُ وَالمُتخَيَّلُ، وَتتَجَاورُ فيهَا الكائناتُ وَالأشيَاءُ وَالعَوَالِمُ، وَيحضرُ الغَرَائبيُّ في الخِطابِ كَحَدَثٍ وَاقِعيٍّ مَألوفٍ منْ أحْدَاثِ الحَيَاةِ اليوميَّةِ المَعِيشَةِ:

طَعَنَ أحدهم، أمامي، رَجُلاً مُسنًّا”
بَدَل أن يَهْرب، وَقفَ وَبدأ يُغنّي، ثُمَّ رَقصَ
وَهُنا قامَ المَطْعون وَرَقصَ مَعَهُ
لِدَهْشَتي كانا يَبْتسَمان
سَمِعتُ اسْتحْسان الحاضرينَ
وَسرَّني ذلك.”

وتكونُ غرائبيَّةُ المَبْنَى الحِكائيِّ، وَالعِلاقاتُ غيرُ المَألوفَةِ، في سَرديَّاتِ صلاح فائق الشِّعريَّةِ، في الأسَاسِ، هيَ المَسْئولةُ، عنْ تفجيرِ شِعريَّةِ النَّصِّ، كَمَا في قولِهِ:

“حينَ خرجتُ لمَشيتي هَذا الصَّباح
انتبهتُ إلى حِصَانٍ أبيضَ يتبعُنِي
يبدو نبيلاً, وَدُودًا
رُبَّمَا يملكُهُ أميرٌ أو ناهِبٌ منْ ألفِ ليلةٍ وَليلة 
جَلسْنَا عِندَ هَضَبَةٍ وقتًا طويلاً
سَرَدْتُ لهُ فُصُولاً منْ حَيَاتي
فجأةً وَقَفَ, نظرَ إليَّ حَزِينًا, حَمْحَمَ 
بدَأ يعدو حَتَّى اخْتَفَى.”

وَلدَى فائق قُدرةٌ هَائلةٌ على الإدْهَاشِ، بسَرديَّاتٍ شِعريَّةٍ، ذَاتَ أدَاءٍ بسِيطٍ، يَجْمَعُ في خِطابِهِ آليَّاتٍ سَرديَّةً وَدِرَاميَّةً وَبَصَريَّةً مُتنوِّعَةً، وتلعَبُ المُفَارَقةُ دَوْرًا رَئيسًا، في تفجيرِ شِعريَّةِ النَّصِّ، في بعضِ الحَالاتِ، كَمَا في:

“مُنذُ الصَّباحِ أفاوضُ نَهْرًا خَطَفَ كَلْبِي
ـ مَاذَا فَعَلَ؟ وَمَا تُريدُ لإطْلاقِ سَرَاحِهِ؟
ـ كلبُكَ وَقِحٌ وَغيرُ مُهذَّبٍ؛  فهو يبولُ في مِيَاهِي
أنْذرتُهُ مَرَّتينِ لكنَّهُ عنودٌ وَلا يحترِمُ الآخَرينَ
يبدو أنَّكَ دَلَّلتَهُ كثيرًا.
ـ أعِدُكَ أيُّهَا النَّهرُ بأنَّهُ لنْ يفعَلَ مَا فَعَلَ 
مَرَّةً ثانيَةً .
ـ سَأطْلِقُ سَرَاحَهُ إذَا جَلَبْتَ أشْجَارًا مُثْمِرَةً
وَغَرَسْتَهَا حَوْلَ ضفَّتيََّ .
ـ كيفَ أفعلُ هَذا , أينَ أجِدُهَا؟
ـ فهِمْتُ أنَّ لكَ أشْجَارًا مُثْمِرَةً خَلْفَ بيتِكَ
انقلْ بعْضَهَا إلى هُنَا.
ـ سَأذهَبُ إليهنَّ وَأسْألُهنَّ إذَا يوافِقْنَ على الانتِقَالِ 
إلى ضفَّتيكَ .
أرْجِعُ إلى البيْتِ, أُفاجَأُ بكلبي يُشاهِدُ في التّلفزيونِ
فيلمًا عنْ عجوزٍ ينقلُ أشْجَارًا مُثمِرَةً 
منْ ضفَّتيْ نهرٍ ليغرسَهَا خَلْفَ بيتِهِ القديمِ “.

يُنْجِزُ فائق بعضَ نصوصِهِ كأنَّهُ يحلُمُهَا، أوْ كأنَّهُ يعيشُ كوابيسَهَا، وَتتحقَّقُ شعريَّةُ النَّصِّ منْ جُمْلةِ المَبْنَى الحِكائِيِّ الغَرَائبيِّ؛ بسرديَّاتِهَا الخَارجَةِ على المَألوفِ، كَمَا تتحقَّقُ إيقاعيَّةُ النَّصِّ منْ إيقاعيَّةِ الصُّورَةِ السَّرديَّةِ الكُلِّيَّةِ، وَالصُّورَةِ البَصَريَّةِ الكُلِّيَّةِ، كَمَا في نصِّ: “مَقْبَرَة في رَأسٍ”؛ الَّذي جَاءَ على هَذا النَّحوِ:

“ظُهْرَ أمْسِ كُنْتُ عَائدًا إلى غُرفتِي، عَبْرَ مَقْبَرَةٍ

رَأيْتُ منْ بَعيْدٍ مَظَلّةً كبيرَةً مَفتوحَةً فَوْقَ قبْرٍ

اقترَبْتُ، إذَا بيَدٍ نحيلةٍ تُمسِكُ تِلكَ المَظلَّةِ

– لا أرَى مَطَرًا هُنَا، لمَاذَا هذِهِ المظلَّةُ مَفْتُوحَةٌ؟. سَألتُ

– المظلَّةُ ليسَتْ لِلمَطَرِ فَقَطْ، مُفِيدَةٌ أيضًا لاتِّقاءِ حَرَارَةِ

الشَّمسِ وَأشعَّتِهَا. أجَابنِي صُوْتٌ مُنْهَكٌ.

– رُبَّمَا تحتاجُ مَرْوَحَةً كهربائيَّةً صَغِيرَةً.

– عِندِي وَاحِدَةٌ، شُكرًا لاهتِمَامِكَ.

اليَومَ مَرَرْتُ منْ هُنَاكَ لمْ أرَ أيَّ مظلَّةٍ أوْ قبْرٍ أوْ تَابُوتٍ مفتوحٍ:

بضْعَةُ بيوتٍ مُبَعْثَرَةٌ وَدُكَّانٌ صَغيرٌ لِبيعِ الفَوَاكِهِ، حَيْثُ كانَ القَبْرُ أمْسِ.

  • لا أتذكَّرُ هَذا الدُّكانَ، أهُوَ جَدِيدٌ؟

  • أبدًا ، أنَا هُنَا مُنذُ سَنَواتٍ، أجَابنِي صَاحِبُ الدُّكَّانِ

  • أنَا أتذكَّرُ مَقْبَرةً هُنَا

  • مَقْبَرَةٌ ؟ أيُّ مَقْبَرَةْ؟.”

وتبدو الذَّاتُ الشَّاعِرَةُ في هَذا الخِطابِ وَحِيدَةً، في المَدينةِ الكونيَّةِ الجَامِعَةِ، تأتيها الأصْواتُ والرُّؤى منْ عوالمَ شتَّى؛ يتداخَلُ فيها الواقعِيُّ والمتخيَّلُ، وَعَلى الرَّغمِ منْ هذِهِ الوِحْدَةِ العَمِيقَةِ ثمَّةَ أواصِرُ وَعِلاقاتٌ وَصَدَاقاتٌ حَمِيمَةٌ بيْنَ الذَّاتِ الشَّاعرَةِ وَالحَيَوَانَاتِ وَالأشْيَاءِ القريبَةِ منْهَا أوْ الكونيَّةِ، تَجْعَلُ الإنسَانَ فرْدًا في العَائِلَةِ الكُونيَّةِ الرَّحِيْبَةِ، وفي هذِهِ الحَيَاةِ المَفتوحَةِ على حَيَواتِ الكَائناتِ، لنْ يكونَ منْ الغَريبِ أنْ تَتَعَايشَ كائناتٌ أخْرَى مَعَ الذَّاتِ الشَّاعرَةِ، وَأنْ تكونَ لأشْيَاءِ الحُجْرَةِ حَيَوَاتٌ، أخْرَى، مُجَاورَةٌ، وَهِيَ حَيَواتٌ تحضُرُ أكثرَ منْ حَيَواتِ البَشَرِ في حَيَاةِ الذَّاتِ الشَّاعِرَةِ، المَفتُوحَةِ على حَيَوَاتِ بقيَةِ العَائلةِ الكونيَّةِ، ببذخٍ وَاضِحٍ:

تَحْتَ سَريري يزْأرُ أسَدٌ جَريحٌ”
أنتَظِرُ سَيَََّارَةَ إسْعَافٍ
لأنقلَهُ إلى مُسْتشْفى
أوْ إلى مَأوى آخَر. بَيْتِي ضَيِِّقٌ
لي كُتُبٌ لَمْ أقرأْهَا. وَضيوفي في ازْديَادٍ
أمْسِ هَرَبتْ نافذةٌ بِسَببِ ذَلكَ
سَريري يَئنُّ تَحْتَ أسَدٍ جَريحٍ.”

الحَيَوانَاتُ، في هَذا الخِطابِ، تتَخلَّى عنْ أعْرَافِهَا المَألوفَةِ، وَتتواصَلُ مَعَ الذَّاتِ الإنسَانيَّةِ الشَّاعرَةِ، وَتَتَآلفُ، وَتَتَعَايَشُ، وَتَتَبَدَّى في عِلاقاتٍ جَديدَةٍ، وَثمَّةَ حضورٌوَافِرٌ لِلحَيَوانَاتِ وَالطّيورِ في المَشْهَدِ المَعِيشِ:

“بِطاسَةٍ مِن نحاس
أقدِّم ماء إلى نَسرٍ مُنْهَكٍ
يَنظر إليَّ، يَشْرَبُ
يَطير، يَحوم حَولي
يَنزل، يَقف على رُكبتي اليُمْنى
أُرحِّبُ بهِ، أظنهُ يَعْرفني.”

ثمَّةَ تعايشٌ لافِتٌ بينَ الذَّاتِ المُبدعَةِ وَالحَيَوانَاتِ وَالطّيورِ وَسَائرِ كَائنَاتِ الطَّبيعَةِ، في مُقابلِ التَّخفُّفِ منْ حَيَوَاتِ البَشَرِ:

“أمَامَ المُحِيطِ الذَّاهِبِ إلى أمريكا

أنتظِرُ حُوْتًا يبلعُنِي، ينقلُنِي إلى أيِّ مَكَان.”

وَمنْ الوَاضِحِ أنَّ الذَّاتَ الشَّاعرَةَ تتغلَّبُ على وَطأةِ وحْدَتِهَا بالتَّواصُلِ مَعَ غيرِهَا منْ الكَائنَاتِ، غيْرَ أنَّهَا، في أحْيَانٍ أخْرَى، تكشِفُ عنْ عذاباتِهَا الثَّقيلَةِ، في وَحْشَتِهَا المُسْتبدَّةِ:

في الخَارجِ رُوحِي تجلسُ على صَخْرَةٍ “
أنتظرُعودتَهَا كيْ أذْهَبَ إلى مكتبَةٍ
عمودي الفِقَريُّ, هُوَ الآخَرُ
يُفكِّرُ بالهِجْرَةِ، لمْ يَعُدْ يتحَمَّلنِي.”

وَيَصْهَرُ المَحْكى العَجائبيُّ المَسَافاتِ بيْنَ التَّواريخِِ، وَالحَيَوَاتِ، وَالأمْكِنةَِ، وَيُنْجَزُ الخِطابُ الشِّعريُّ بأدَاءٍ شديدِ البَسَاطةِ وَالعفويَّةِ، وفي أشْكالٍ مُتنوِّعَةٍ؛ ففي نصِّهِ: النَّبيُّ نُوح في سِجنٍ فِلبينيٍّ، جَاءَ الخِطابُ الشِّعريُّ في صورَةِ مُكالمَةٍ تليفونيَّةٍ، على هَذا النَّحوِ:

“يَرِنُّ الهَاتِفُ.

  • نَعَمْ ؟

  • هَلْ أنْتَ صلاح فائق منْ العِرَاق؟

  • نَعَمْ ، مَنْ أنْتَ؟

  • أنَا الكولونيل فيرلو مديرُ السِّجنِ المَرْكزيِّ في مدينةِ سيبو

، أُخَابرُكَ لأطلبَ مُسَاعَدَتَكَ.

  • مُسَاعَدَتِي؟

  • اسْمَحْ لي أنْ أشْرَحْ لكَ المَوْضُوعَ؛ ألقَى خَفَرُ السَّواحِلِ،

ليلةَ أمْسِ، القَبْضَ على شَخْصٍ اسْمُهُ نُوح، وَيَدْعُو نفسَهُ

النَّبي نُوحَ، وَكَانَ يُهَرِّبُ سَفينَةً مُحَمَّلةً بحَيَوَانَاتٍ وَطيورٍ

وَزَوَاحِفَ وَعَدَدٍ منْ البَشَرِ.

  • وَمَا عِلاقتِي بكُلِّ هَذا؟

  • هُوَ طَلَبَ لقاءَ أيِّ عِرَاقيٍّ منْ بلدَةٍ أوْ مَدِينَةٍ سُومَريَّةٍ.

أخْبَرَتْنَا دَائرَةُ الهِجْرَةِ وَالإقامَةِ في مَدِينَةِ سيبو بأنَّكَ عِراقيٌّ

منْ مَدِينَةٍ اسْمُهَا كركوكَ، وَهذِهِ حَسْبُ نُوحٍ، مَدِينَةٌ بنَاهَا

 سُومَريُّونَ. نُوحُ يدَّعِي أنَّه سُومَريٌّ، وَيحتاجُ مُسَاعَدَتَكَ.

  • حَسَنًا سَأكونُ هُنَاكَ بَعْدَ سَاعَةْ.”

وَتنهدِمُ الحُدودُ التَّاريخيَّةُ، في مُخيِّلةِ الشَّاعرِ الحُرَّةِ؛ فتتَّصل حياتُهُ بأزمِنَةٍ سَحيقَةٍ، قدْ تصِلُ إلى عَصْرِ الكهوفِ، يتحوَّلُ فيها التَّاريخيُّ إلى يوميٍّ، كمَا في هَذا النَّصِّ :

“عِشْتُ في كُهوف حَفرَها رهبانٌ
جيرانِي خَفافيشُ عَمْياءُ
وَثعابينُ أليفَةٌ
في الليْلِ أجوبُ مَعَ ضِبَاعٍ وَغزلان
في وَاديْهَا الضَّيِِّقِ 
التقيتُ الشِّتاءَ، في ظَهيرَةٍ، هُناكَ
وَقَدْ جَرحَتْهُ ضَوارٍ
عالَجْتهُ ببلْسَمٍ خاصٍّ
وَحَملَهُ رُفاقي إلى قَرْيَةٍ في جَبَلٍ.”

وَبالإضَافةِ إلى صَهْرِ المَسَافاتِ بيْنَ المَعِيشِِ والمُتخيَّلِ، وَالأزمنةِ والأمكنةِ، وَالكائناتِ، يَصْهَرُ – كَذلكَ – الحُدودَ بيْنَ الأشْكالِ وَالأجنَاسِ الأدبيَّةِ وَالفنيَّةِ، في بنيَةِ الخِطابِ الشِّعريِّ؛ عَبْرَ سِلْسِلةٍ منْ التَّداخُلاتِ النَّصِّيَّةِ بيْنَ الغِنائيِّ والسَّرديِّ والدِّراميِّ، والتَّقريريِّ والتَّصويريِّ، بالتَّجاورِ مَعَ تداخُلاتِ العَوالمِ والحَيَوَاتِ؛ مِمَّا يُؤسْطِرُ المَشْهدَ الشِّعريَّ، ويُضفِي عليْهِ طابَعَ السِّحريَّة والعجائبيَّة؛ فلا تُوجَدُ حدودٌ بيْنَ المَاضِي والحَاضِرِ، ولا – حتَّى – بيْنَ المَوْتَى والأحَيْاء:

“دَخَلْتُ مَقْهَى

وَجَدْتُ لينينَ، وَاقِفًا يُدخِّنُ أمَامَ تليفزيونٍ

التفتَ، رَآنِي، صَرَخَ: أنْتَ، هُنَا، أيضًا ؟

فَخَرَجْتُ؛ لأتفادَى لِسَانَهُ السَّليطَ وَدُخَانَهُ الخَانقَ.”

تتنقَّلُ الذَّاتُ الشَّاعرَةُ بيْنَ العَوَالمِ، بحُريَّةٍ وَاضِحَةٍ، وَتتبدَّى في حَيَوَاتٍ جَديدَةٍ، وَحَيَوَاتٍ تمزجُ القديمَ بالجديدِ، وَحَيَواتٍ قديمَةٍ، مُحَافظَةً على جوهرِهَا، وتفاعُلاتِهَا مَعَ غيرِهَا منْ جيرَانِ العائلةِ الكونيَّةِ:

“أضْطجعُ تحْتَ أغْصَانِ شجرَةِ سروٍ
مُنتظِرًا شخصِيَّةً مُحبَّبةً منْ إحْدِى الرِّوايَاتِ
عنْ بلدي القديمِ .
فجْأةً تمرُّ مُظاهَرَةُ هنودٍ بمَشَاعلَ
تُطالبُ بإبعادِ استراليا عنْ آسيا
وإلى منطقةٍ نائيةٍ خلفَ أميركا .
أنْهَرُ هِنديًّا وَاقفًا في شُرْفةٍ
يُصفَّقُ لهُمْ, فيسقطُ منْ ذلكَ العلوِّ على الأرْضِ
أهربُ وَأنَا عَارٍ تقريبًا, آمِلاً لمْ يسمعنِي أحدٌ
أو رَآنِي ـ سَهْلٌ تشخيصِي 
شَعْرُ جَسَدِي غزيرٌ, أُشْبِهُ قردًا 
مَعَ أنِّي لا أقفزُ منْ شَجَرَةٍ إلى شَجَرَةٍ
لأنِّي لا أسْتطيعُ. وَهَذا هُوَ الفَرْقُ”.

وتحْمِلُ هذه الذَّاتُ طبيعَةً كونيَّةً بانوراميَّةً، تَرَى العَالمَ، داخلهَا وَخَارجَهَا، بمنظورٍ عَجَائبيٍّ بَصَريٍّ، ينْصَهرُ فيْهِ مَا هُو يوميٌّ بمَا هو كوْنيٌّ:

“الآنَ هَدَأ مُنْشِدون في رَأسِي

تآخيْت ُمَعَ الأحْجَارِ وَرَضيْتُ بجزيرَةٍ بلا فَجْرٍ .

لمْ يَبْقَ لي سِوىَ هذا الكلامِ

أمْشِي مَعَه بينَ أشْجَارٍ منْ صَخْرٍ .

لنْ أعودَ إلى مَدِينتِي

أمَامِي كنائسُ تتدافعُ منْ جبالٍ وَقُرَى

نَحْوَ البَحْر ِ.

مَرَرْتُ منْ أمامِ فندقٍ يحترِقُ

كانَ خُطباءٌ وَقادةٌ يَسْتنجِدُونَ, منْ الشُّرفاتِ،

بمَارَّةٍ وَبمُسَافريْنَ إلى قطارَاتِ المَسَاءِ .

بعضُهُمْ وَقفَ, تطلَّعَ مُبْتسِمًا.

هذا كلُّ مَا فَعَلَ .

لا شِفاءَ لي

في رَأسِي احْتشَدْتْ عَجَائبُ وَمَشَاهِدُ منْ قارَّاتٍ

أمْدَحُ بعضَهَا وَأُغنِّي أخْرَيَاتٍ

لا أحَدَ يَرَاني أطِيْرُ , وَأنَا بلا جناحَيْنِ،

أبدأُ هَكَذا: أعْتلِي كُتُبي, أرْتفِعُ وَأرْتفِعُ في

غرْفَتِي.

أرَى طِفلِي منْ نافذةٍ

يتكلَّمُ مَعَ شَجَرَةٍ.

سَقَطتْ طائرَةٌ أمَامَنا صَبَاحَ أمْسِ

كانْت َفارِغةً, ثمَّ طَارَتْ في الليلِ

وَفيْهَا باعَةٌ خَرَزٍ, أسَاورُ وَقلائدُ مُبَهْرَجَةٌ

رَأيْتُ شَبَحًا يَهْرَبُ منْ مَطْعَمٍ

ليلتحِقَ بالطَّائرَةِ , لكنَّه فشِلَ

سَرَّني هَذَا.”

ويعتمد فائقٌ في بناء سرديَّاتِهِ الشعريَّةِ، بشكلٍ رئيسٍ، على بنيةِ الوصْفِ، ورصْدِ الأنَا من الدَّاخلِ والخارجِ، في تفاعُلِها معَ الكائناتِ والأمكِنةِ والأزمنَةِ، في مَزيْجٍ دائمٍ منْ اليوميِّ والأسطوريِّ والتَّاريخيِّ:

“عندَ الفجْرِ آوي إلى فراشِي وَأنَا مُتأنِّقٌ

مَلابسِي نظيفَةٌ وَمُكْوَاةٌ, تَحَمَّمْتُ وَتعَطَّرْتُـ

أتصَرَّفُ كضَيْفٍ في مَنامَاتِي .

سَأرى أحْدَاثًا, ألتقِي شَخْصِيَّاتٍ وَأصَادِفُ حَيَواناتٍ حَائرَةً

لا أسْمَحُ ظهورَ أيِّ إلهٍ، وَعُلمَاءٌ أنْصَافُ عُرَاةٍ يُرَاقبونَ،

في مُفاعلٍ ذَريٍّ, بلازمَا ترتفِعُ مِنْهَا أيونَاتٌ

، لا تهمُّنِي نَصِيْحةٌ تُسْديها لؤلؤةٌ, لا أنضمُّ إلى أيِّ نِزَاعٍ

أوْ أبحثُ عنْ قفيرِ نَحْلٍ  

أذْهَبُ لأسْمَعَ موسيقى مَجَرَّاتٍ, بدلَ نحيْبِ هذهِ الأرْضِ

وَعجائزِها اللواتي يكنُسْنَ, في المسَاءِ،

عتباتِ بيوتهنَّ .

هناكَ سَأرى مَالا يَرَاهُ آخرونَ, بعيْنٍ كبيرَةٍ، وَسْطَ جبينِي .”

وَضِمْنَ التَّشديدِ على شعريَّةِ البنيَةِ الشِّعريَّةِ شديدَةِ التَّكثيفِ، شدَّدتْ تجربَةُ فائق، في تجلِّيها الرَّاهنِ، على شِعريَّةِ الرُّباعيَّةِ الشِّعريَّةِ، الحُرَّةِ منْ آليَّاتِ الإطارِ المُوسِيقيِّ التَّاريخيِّ، لشكلِ الرُّباعيَّةِ المُتوارَثِ عَبْرَ القرونِ، وَاختصَّتْ رُباعيَّاتُ فائق، بشكلٍ عامٍ، بمَا اختصَّ بهِ خِطابُهُ الشِّعريُّ، بحيثُ أنَّها لا تنتمِي إلى تاريخِ الرُّباعيَّات إلاَّ في بنائِهَا الشِّعريِّ الرُّباعيِّ، وَكثافَةِ البنَاءِ وَالأدَاءِ الشِّعريِّ، وَهيَ تنتمِي أكثر إلى مُجْمَلِ آليَّاتِ خِطابِهِ الشِّعريِّ؛ ففيْهَا يتداخَلُ المَعِيشُ بالمُتخيَّلِ، وَالسِّيَريُّ بالتَّاريخِيِّ، وَالآنيُّ بالأزليِّ، وَاليومِيُّ بالكونيِّ، وَالسَّرديُّ بالبَصَريِّ، وَالدَّاخليُّ بالخَارجِيِّ، وَالنِّسبيُّ بالمُطْلَقِ، وَتَتَوَاشَجُ العَوَالمُ وَالرُّؤى، وَتُشْرِقُ الوَمْضَةُ التَّأمُّليَّةُ، وَتتبجَّسُ الشِّعريَّةُ منْ المُفَارَقاتِ، وَمنْ الرُّؤى المُتقاطِعَةِ، وَمنْ عجائبيَّةِ التَّجربَةِ الإنسَانيَّةِ وَشَطْحِيَّاتهَا، وَمِنْها قولُهُ :

“تَمُرُّ جنازةٌ مَهيبَةٌ, حَوْلهَا وَخَلْفَهَا رَقَصَاتٌ وَأغنيَاتٌ

في الأخِيْرِ حِصَانٌ حَزيْنٌ يمشِي وَحْدَهُ

أذْهَبُ إلى التَّابوتِ, أرْفعَُ غِطَاءَهُ

أجِدُهُ فارِغًا, فأنضَمّ إليهِمْ.”

وَقولُهُ:

“تُمتعنِي مُشَاجَرَةُ أُمَّهاتٍ في زُقاقٍ, صَرَخاتٌ وَشتائمُ

بينمَا عجوزٌ وَاقفِةٌ أمَامَ بَابٍ تَحُوكُ جَوْرَبًا

وَهُنَاكَ أخْرَيَاتٌ يتطلَّعنَ منْ شَبابيكَ

يُشْبهنَ سَجينَاتٍ لسَنَوَاتٍ طويلة.”

وَقولُهُ:

“قبلَ فترَةٍ, عِنْدَ فِرَارِي منْ مُسْتشفَى

صَادَفْتُ بائعَ أسْمَالٍ وَكَانَ الطَّبيْبَ الَّذي

عَضَّ ذراعِي اليُمْنَى, شتمْتُهُ

لمْ يَرُدْ.”

وَقولُهُ:

“اسْتيقظَتُ في وَقْتٍ مُتأخِّرٍ, وَجَدْتُ برقيَةً عِنْدَ رَأسِي

وَمِنْ أبي, يقولُ فيْهَا: أنتظِرُكَ في المَطَارِ مُنْذُ سَاعَاتٍ

أنَا مَذْهُولٌ, أبي مَاتَ قبلَ ثلاثيْنَ سَنَةً

وَليْسَ في جَزيرَتِي أيُّ مَطَارٍ.”

وَعَبْرَ هذِهِ الآليَّاتِ المُتنوِّعَةِ تتبدَّى تجربَةُ صَلاح فائق الشِّعريَّة الباذِخَةِ، في طليعَةِ التَّجاربِ الشِّعريَّةِ الَّتي حَقَّقتْ مَا كانَتْ تَصْبُو إليْهِ الشِّعريَّةُ العَربيَّةُ، منْ حُريَّةِ، على نَحَْوٍ باذخٍ ، وَلا ترتبطُ تجربَةُ فائق بمفهومٍ مُحدَّدٍ وثابتٍ لـ قصيدةِ النَّثر، سِوىَ مفهومِهِ الخاصِّ، الَّذي يتجدَّد مع تجاربِهِ المتجدِّدةِ دائمًا ، شديدة الخصوصيَّة، وواضحة المعالمِ، وعميقة التَّأثير في مشهدِ الشِّعريَّة العربيَّة الرَّاهنة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


Site is using the Seo Wizard plugin by Seo.uk.net ( seo.uk.net )