شريف رزق يكتب : تداخُلاتُ الأنواعِ الأدبيَّةِ والفَنيَّةِ في قصيدةِ النَّثرِ العربيَّةِ | موقع قصيدة النثر - kasedat-elnathr-site

شريف رزق يكتب : تداخُلاتُ الأنواعِ الأدبيَّةِ والفَنيَّةِ في قصيدةِ النَّثرِ العربيَّةِ

 431041_444406312266892_1105434034_n

تداخُلاتُ الأنواعِ الأدبيَّةِ والفَنيَّةِ

في قصيدةِ النَّثرِ العربيَّةِ

 شريف رزق

 …

إنَّ القولَ بتداخُلِ الأنواعِ الأدبيَّةِ والفنيَّةِ، في الشِّعرِ، لا يعني – بالضَّرورةِ – نفيَ نظريَّةِ النًَّوعِ على الإطْلاقِ، وتجاهُلَ الانتماءِ الأجناسيِّ الأساسيِّ، وإنَّمَا يعني انْفتاحَ النَّوعِ الشّعريِّ على مُختلَفِ آلياتِ الأنواعِ الأدبيَّةِ والفنيَّةِ، في مشهدِ النَّصِّ الشِّعريِّ، لتؤديَ أدوارًا شعريةً في بنية ِ النَّصِّ. وتُؤكِّدُ نظريَّةُ الشِّعرِ- منذُ أرسطو – على انفتاحِ الشِّعرِ على مُختلَفِ الفنونِ المُجَاورِةِ له؛ بحيثُ يظلّ فنًّا جامعًا؛ يتبدَّى فيه الغنائيُّ والدّراميُّ والملحميُّ، وقد زادَ الوعيُ بانْفتاحِ الشِّعرِ على مُختلَفِ آلياتِ الأنواعِ الأدبيَّةِ والفنيَّةِ، منذُ تِسْعينيَّاتِ القرنِ الماضي – مع انتشارِ رُؤى مَا بعدَ الحَدَاثةِ – فتجلَّى انفتاحُهُ على فُنونِ السَّردِ، وفُنونِ الصُّورةِ البَصَريَّةِ؛ في السِّينما وفنِّ التَّصوير وفنِّ المسرح.

تَدَاخُلاتُ الأنْوَاعِ الأدبيَّةِ والفنيَّةِ

وَتَشَكُّلاتُ النَّصِّ الجَامِعِ

خَلُصَ جيرار جينت من مناقشتِهِ لقضيَّةِ الأجْناسِ الأدبيَّةِ، عندَ أفلاطون وأرسطو، إلى النَّصِّ، وأوضحَ أنَّ النَّصَّ لا يعنيهِ إلاَّ منْ حيث “تعاليهِ النصيِّ”، وهو مَا يعني عِنْدَه معرفة كلّ ما يضعُهُ في علاقةٍ – ظَاهرةٍ أو خَفيَّةٍ – مع نصوص أخرى، ويُدرجُ  ضِمْنَه “التَّناص”، ويضعُ في “التَّعالي النَّصيِّ”، كذلكَ، ضُروبًا من العلاقاتِ، ومنْ أهمِّهَا: علاقاتُ المُحَاكَاةِ والتَّحويلِ، ويضعُ فيه، أخِيرًا، علاقةَ “التَّضمُّنِ”، تلكَ التي تربط كلَّ نصٍّ بمُخْتَلَفِ أنْماطِ الخِطابِ، التي يَتَعَلَّقُ بها، ويُسمِّي ذلكَ: “النَّصَّ الجَامِعَ” و “النَّصيَّةَ الجَامِعَةَ” أو “النَّسيجَ الجَامِعَ”.(1)

وقدْ أشَارَ جينت إلى أنْ مُصْطلحَ النَّسيجِ الجَامِعِ ، ونعْتَ “النَّصِّ الجَامِعِ”، قد اسْتعملتْهُمَا ماري آن كاوس، من قبلِهِ، في معنى مُخْتَلِفٍ تمامًا عمَّا يقصدُهُ (2)، ولمْ يُحدَِّدْ جينت هذا المعنى المُخْتَلِف.

ونحنُ بدورِنَا لا نرى في المُصْطَلَحِ علاقةَ النَّصِّ بالنُّصوصِ الأخرى المُتَفَاعِلَةِ معه، فحسب، وإنَّما نراه يتعدَّى هذا إلى علاقةِ النَّوعِ الأدبيِّ بغيرِهِ من الأنواعِ؛ فيتخطَّى مفهومَ “التَّعالي النّصيِّ” إلى “التَّعالِي الأجْنَاسيِّ”، حيثُ يُصْبِحُ النِّصُّ فضاءً، تتجاورُ فيه إجْرَاءَاتُ الأجْنَاسِ المُخْتَلِفةِ، وتتفاعلُ في بِنيةٍ نصيَّةٍ واحدةٍ، تشي بتعدُّدِ تجلياتِ الشِّعريَّةِ، وآلياتِهَا، مُتجاهِلةً الحُدودَ الأجْناسيَّةِ الموضوعةِ؛ فقد كانَ “التَّناصُ” بدايةً لكَسْرِ النَّوعيَّةِ، حَتَّى أصْبَحَ التَّداخُلُ النَّصيُّ، تداخُلاً بين أجْناسِ الإبْداعِ القوليَّةِ وغيرِ القوليَّةِ، بلْ أصْبَحَ تَدَاخُلاً بينَ الخِطابِ الإبداعيِّ، وغيرِ الإبداعيِّ؛ كخطابِ السِّحرِ والنّجوم  وخِطابِ التَّصوفِ، وغيرِهَا.”(3)

وجينت في استعراضِهِ لتقسيمِ الأجْناسِ إلى غنائيٍّ وملحميٍّ ودراميٍّ، منذُ أفلاطون وأرسطو، لمْ يُنْكِرْ إمكانيَّةَ مزْجِ هذه الأنواعِ الثَّلاثةِ؛ فقدْ أوردَ اقْترَاحًا لجوته بإمكانيَّةِ “توليفِ هذه العناصرِ الثَّلاثةِ: (غِنائيٍّ،مَلحميٍّ، دِراميٍّ) وتنويعِ الأجْناسِ الشِّعريَّةِ إلى مالا نهايةِ له.”(4)

والواقع أنَّ جوته (1749- 1832) قد توصَّلَ بالفِعْلِ، بهذه التَّوليفةِ التي تَدْمِجُ الغنائيَّ بالملحميِّ بالدِّراميِّ، إلى تصوُّرٍ لشكلٍ جامِعٍ، أسماه (البالاد)، ورأى أنَّنا كثيرًا مَا نرى هذه الأنواعَ مُجتمِعةً في أصْغَرِ قصيدةٍ، وكأنَّمَا هيَ مُجْتَمِعةٌ في بَيْضةٍ أصْيلةٍ حَيَّةٍ؛ بحيثُ تبرزُ منْ خِلالِ هذا التَّجميعِ، في أضْيقِ حَيِّزٍ مُمْكنٍ، أروعُ بنيَّةٍ أدبيَّةٍ، على نحوِ مَا نلمسُهَا في  البالاداتِ الجديرةِ بأعْظمِ التَّقديرِ عندَ الشُّعوبِ كافةً”(5)، وحَدَّدَ عبد الغفار مكاوي (1930- 2012) البالاد  بأنَّهَا “مَجْمَعُ فنونٍ أدبيَّةٍ مُختلِفةٍ، تؤلّفُ بين أساليبِها التَّعبيريَّة وموضوعاتِها وأشكالِها وموادِها، في وحْدَةٍ غنائيَّةٍ، تنتظرُ دائمًا منْ يستمعُ لها ويُنْصِتُ لألحانِها؛ ففيها السَّردُ الذي أخذتْهُ من المَلحَمَةِ والقصَّةِ والرِّوايةِ، وفيها الصِّراعُ والحِوَارُ اللذان اسْتعارتْهُمَا من الدِّرَامَا، وفيها العاطِفَةُ الأسْيانةُ والشَّجنُ العميقُ الرَّقيقُ اللذان يجريانِ مجرى الدَّمِ في عروقِ الشِّعرِ الغنائيِّ، وفيها – قبلَ ذلكَ كلّه – نصيبٌ موفورٌ من التَّأثُرِ بالأغنيةِ الشَّعبيَّةِ، بتُراثِهَا العريقِ وأشْكالِها ومَضَامِيْنِهَا البَسِيْطةِ، المُؤثّرةِ تأثيرًا مُباشرًا على الوجدانِ، وهو تأثيرٌ تظلُّ مُحْتَفِظَةً به، مَهْمَا تعقَّدَ شكلُ بنائِها، في مَقْطوعَاتٍ وأوزانٍ مُخْتَلِفَةِ الأطْوَالِ، ولوازمَ غنائيَّةٍ مُتكرِّرةٍ، وحرصٍ على الإيقاعِ..”(6)

وهناكَ مُحَاولةٌ شَبِيْهَةٌ، للتَّخلُّصِ من حدودِ الأشكالِ وأُطُرِ الأجْناسِ المعروفةِ والمُعْتَمَدَةِ، قامَ بها بُورخيس (1899-1986) “مازِجًا الشِّعْرَ، بالقِصَّةِ، بالمَقالِ، مُنْتِجًا شكلاً جامِعًا أسْمَاه (الفيسون). (7)

وسَاهَمَ توفيق الحكيم (1898- 1987) “في إزاحةِ الحدودِ القائمةِ بينَ الأنواعِ الأدبيَّةِ، وإقامةِ جسورٍ بينَ جُزُرِهَا ، فوضَعَ عملَهُ الأدبيَّ “بنك القلق”، وأطلقَ عليه: مَسْرِواية، على أساسِ نحتِ المُسَمَّى منْ كلمتيْ : مسرح، رواية، مع إجراءِ المُزَاوجَةِ منْ خصائصِ النَّوعينِ المُنْفَصِلينِ، منْ حيثُ البناءِ الشَّخصيِّ لكلٍّ منهما”(8)، كَمَا سَاهَمَ في ترسِيخِ شكلِ المَسْرِوَايةِ في مشهدِ الأدبِ العربيِّ لويس عوض(1914-1990)؛ حينَ كَتَبَ “مُحَاكَمَةِ إيزيس”، ويوسف إدريس (1927-1991)؛ حينَ كَتَبَ “نيويورك 80”.

وللشَّاعِرِ عزرا باوند (1885- 1972) مُحَاولاتٌ مُهِمِّةٌ، في هذا المجالِ، منها نصُّهُ الشِّعريُّ (موبرلي)؛ الذي مَزَجَ فيه الشَِّعريَّ الغنائيِّ بالسَّرديِّ بالدِّراميِّ المَسْرحيِّ  بالإضَافةِ إلى الأغاني الشَّعبيَّةِ الصِّينيَّةِ والبُوذيَّةِ وفواتيرِ الكَهْرُبَاءِ والمَاءِ وغيرِها، مَمَّا هو مصدر فوضى كاملةٍ، في مُدْرَكَاتِ الحَوَاسِ؛ فهيَ قصيدةٌُ (كتابيَّةٌ/ بَصَرِيَّةٌ/ سَمْعِيَّةٌ/ حِوَاريَّةٌ).(9)

وهذه النُّصوصُ ومثيلاتُها تتخطَّى فرضيَّةَ نقاءِ الجنسِ الأدبيِّ، وتكشفُ مأزقَ التَّسكينِ الأجْنَاسِيِّ لها، وقدْ برزتْ هذه النُّصوصُ معَ انْتقالِ العمليَّةِ النَّقديَّةِ، منْ الاشْتغالِ على التَّجنيسِ الأدبيِّ، إلى قضايا الشِّعريَّةِ، وتجلِّياتِ الأدبيَّةِ وتنوُّعاتِ الكتابةِ عبْرَ النَّوعيَّةِ.

ولمْ يكنْ الأدبُ العربيُّ عبْرَ تاريخِهِ الطَّويلِ، بعيدًا عن هذا السِّجالِ؛ فإذا كان الدَّارسونَ قد دأبوا على توزيعِ الأدبِ العربيِّ إلى جِنْسين ِأساسيَّين ِهُمَا: الشِّعْرُ والنَّثْرُ، فإنَّ الإبداعَ الأدبيَّ ظلَّ يتنوَّعُ، ويتخطَّى هذه الثُّنائيَّةَ، في أشكالٍ ونماذجَ ظلَّتْ تُؤكِّدُ على اتِّساعِ مفهومِ الشِّعريَّةِ، كَمَا ظلَّ النَّقدُ العربيُّ مُسْتَغْرِقًا في قضايا الشَِّعريَّةِ عامةً، فيمَا يتناولُ جنسَ الشِّعرِ تحديدًا(10)، وبرغمِ الحِفَاظِ على السِّمةِ الأجْناسيَّةِ النَّوعيَّةِ لكلِّ شكلٍ، فقد ظلتْ الأشْكَالُ تتلاقحُ وتتداخلُ إجْرَاءَاتُها الإبداعيَّةُ وتتواشَجُ وهو ما ظَلَّ يُنْتِجُ – باسْتمرارٍ- أشكالاً أُخْرى، تَصْطَفي، منْ شتَّى الإجْراءَاتِ المُتَاحَةِ ما يَتَلاءَمُ معَ طبيعتِهَا ويُسَاهِمُ في تشكيلِ بُنَاهَا الجَامِعَةِ، وتنوَّعتْ الأشْكالُ، وتعدَّدتْ تجلياتُهَا الإبداعيَّةُ، فكانَ النَّثْرُ الفنيُّ، وكان النَّثْرُ الصُّوفيُّ الشِّعْريُّ، وكان النَّثْرُ الشَِّعْريُّ، وكانَ الشَِّعْرُ المنثورُ، ثم كان الشَِّعْرُ الحُرُّ، ثم كانتْ قصيدةُ النَّثْرِ(11)، ثم كانتْ الأشْكالُ الأكثرُ تركيبًا في بُنَاهَا الجامِعَةِ لإمكاناتِ الشِّعْرِ المُخْتلفةِ معَ أشْكالِ السَّردِ الشِّعريِّ والقَصِّ والمَسْرَحِ والخَبَرِ والفنَِّ التَّشكيليِّ وتقنياتِ السَِّينمَا.

وموضوعُ التَّفاعُلِ بينَ الأنواعِ الأدبيَّة، ليسَ بهذَا القِدَمِ فحسب، وإنَّمَا هو أبعدُ منْ هذا بكثيرٍ، وقدْ اعْتَبَرَ أرسطو (384ق.م -322 ق.م ) المُحَاكاةَ هيَ الأسَاس، وإنْ اخَتلفَتْ الأنواعُ، ويُسمِّي شَاعرًا كُلَّ مَنْ يأتي بالمُحَاكاةِ؛ وإنْ كانَ في مَزيجٍ مِنَ الأشْكَالِ(12)، ومن وِحْدةِ الأنواعِ الأدبيَّةِ، في جنسِ الشِّعرِ، انطلقَ أرسطو إلى وِحْدةِ الأنواعِ الفنيَّةِ؛ فاعْتبرَ الرَّسمَ والنَّحتَ والموسيقا والرَّقص أشْكالاً شِعريَّةً.

وتتَّفقُ الدِّراساتُ الجماليَّةُ منذُ أفلاطون (427ق.م – 347ق.م)، وأرسطو حتَّى هيجل (1770-1831) وكروتشه (1866-1952) وسوزان لانجر (1895-؟)، على وجودِ جوهرٍ فنيٍّ واحدٍ، في مُختلَفِ الفنونِ القوليَّةِ والبَصَرِيَّةِ والسَّمعيَّةِ، واعْتبارِ كُلٍّ منها “كائنًا” ينتمي إلى “مملكةِ الفنِّ الواسعة” كما عبَّرَ هيجل، وهكذا تتقاربُ الفنونُ وتتواشجُ، في علاقاتٍ مُتعدِّدةٍ، تُؤكِّد أنَّ جوهرَ الفنِّ العميقِ واحدٌ في شتَّى الفنونِ، وأنَّ تعدُّدَ الأشْكالِ والفنونِ هو- في جوهرِهِ- تنويعٌ على هذا الجوهرِ العميقِ، في خريطةِ الفنِّ الواسعةِ؛ فالتَّصويرُ ينزعُ إلى أنْ يكونَ موسيقا، والموسيقا تنزعُ إلى الدِّراما، والشِّعرُ ينزعُ إلى التَّصويرِ والموسيقا والدِّراما، وهو ما يجعله (جِنْسًا جامِعًا)، كما بدأَ في مفهومِ أرسطو، وكانتْ أقدمُ إشارةٍ إلى علاقةِ الشِّعرِ بالتَّصويرِ هيَ “المنسوبةُ إلى سيمونيدس الكيوسيِّ (من جزيره كيوس في بلاد اليونان، وقد عاش حوالي سنة 556 إلى حوالي سنه 486 ق.م) التي يقول فيها: إنَّ الشِّعرَ صورٌ ناطقةٌ، أو رسمٌ ناطقٌ، وإنَّ الرَّسْمَ أو التَّصويرَ شِعْرٌ صامتٌ، ولا تلبثُ أنَّ ترِدَ على الخاطرِ تلكَ العبارةُ من كتابِ:( فنِّ الشِّعرِ) للشَّاعرِ الرُّوماني هوراس (65- 8 ق.م) وهيَ التي يُشبِّه فيها القصيدةَ بالصُّورةِ: كما يكونُ الرَّسمُ يكونُ الشِّعرُ(13)، كما ترِدُ على الخاطرِ، أيضًا مقولةُ الجاحظِ (159- 255 هـ) “إنَّمَا الشِّعرُ صِناعةٌُُ، وضَرْبٌ  من النَّسجِ، وجِنسٌُ من التَّصويرِ(14)، وتتواصلُ علاقةُ الشِّعرِ بالتَّصويرِ، حتَّى نقرأَ لبيكاسو (1881- 1973) قولَه: “الفنُّ واحدٌ، فأنتَ يُمْكِنُكَ أنْ تكتُبَ الصُّورةَ بالكلمةِ، كَمَا يُمْكِنُكَ أنْ تُصوِّرَ إحْسَاساتِكَ في قصيدةٍ بالكلماتِ، وقوله: “إنِّي لو كُنتُ قد وُلِدْتُ صِينيًّا، فلمْ أكنْ لأُصْبِحَ مُصَوِّرًا، بلْ خطَّاطاً، إنَّني أكتبُ لوْحَاتِي.(15)

 أمَّا علاقةُ الشِّعرِ بالمُوسِيقا فهيَ مِنَ العُمْقِِ، بحيثُ نجدُ الفنَّينِ قدْ امْتزجَا عبْرَ العُصورِ امْتزِاجًا لافتًا، وعلاقةُ الأدبِ عُمومًا بالمُوسِيقا علاقةٌ عميقةٌ، ويعكسُ هذه العلاقةَ مُحَاوَلَةُ أندريه جيد (1869- 1951) أنْ تكونَ الموسيقا لُغَتَهُ، وتساؤله: “بالفَرَنْسِيَّةِ؟، كلا؛ إنِّي أودُّ أنْ أكْتُبَ بالمُوسِيقا (16)، أمَّا مارسيل بروست (1871-1952) فقدْ دفعَهُ تأثُّرُهُ  العميقُ بفاجنر(1813- 1883) “أنْ يتبعَ في روايتِهِ الضَّخمةِ “بَحْثًا عن الزَّمنِ المَفْقُود” أسْلوبَ اللحنِ المُمَيَّزِ leitmotiv  المشهورِ لفاجنر”.(17)

 أما علاقةُ المُوسِيقا بالعِمَارةِ ، فتبدو، واضِحةً، في موسيقا يوهان سباستيان باخ (1685- 1750) ذاتَ البُنْيَانِ المُتَمَاسِكِ، المَشِيْدِ بدقَّةٍ وإحْكامٍ طابقًا فوقَ طابق.(18)

وتتَّضحُ علاقةُ المُوسِيقا بالتَّصويرِ في وصْفِ نيتشه (1844- 1900) لفاجنر، بأنَّه “مِنْ حيثُ هُوَ مُوسِيقيٌّ، ينبغي أنْ يُدْرَجَ ضِمْنَ المُصًوِّرينَ”(19)، وينطبقُ هذا الوصْفُ على الكثيرِ مِنَ المُوسِيقيّينَ،  ومنهم: ليست، وديبوس، وسترافنسكي، وغيرهم.

كَمَا تتَّضحُ علاقةُ المُوسِيقا بالتَّصويرِ في تأكيدِ مايكل أنجلو (1475- 1564) أنَّ “اللوحةَ َالجيِّدةَ ينبغي أنْ تكونَ مُوسِيقا ولَحْنًا”(20)، وفي رسالةِ فان جوخ (1853- 1890) لأخيه ثيو- في عام 1888- التي جاءَ فيها أنَّ التَّصويرَ كَمَا هُوَ عليه الآنَ يُبشِّرُ بأنْ يُصْبِحَ أكثرَ رِقّةً، وأقربَ إلى المُوسِيقا، وأقلَّ شَبَهًا بالنَّحتِ”(21)، وفي تأكيدِ فاسيلي كاندنسكي (1866- 1944) أنَّ “المُوسِيقا خيرُ مُعلِّمٍ للجميعِ؛ لهذَا يتَّجهُ الرَّسامُ الحديثُ إلى اسْتِعارةِ مناهِجِ المُوسِيقا، مِنْ نَغمٍَ، وإيقاعٍ، كَمَا يستعيرُ البِنَاءَ الحِسَابيَّ التَّجريديَّ، وفي تكرارِ “نغماتِ” الألوانِ، وفي إدْخَالِ الحركةِ على الألوانِ(22)، وكانَ شوبنهور(1788- 1860) هُوَ أوَّلُ مَنْ قالَ:”إنَّ كلَّ الفنونِ تطمحُ إلى أنْ تكونَ مِثْلَ المُوسِيقا” كَمَا ذَكَرَ هربرت ريد (23) (1893- 1968).

كما يُؤكَِّدُ على علاقةِ الفنونِ بعضِها ببعضٍ، أنَّ الكثير مِنْ الفنَّانينَ قد تنقَّلوا بينَ الأشْكالِ الفنيَّةِ المُخْتلِفةِ؛ ليقدِّمُوا تجارِبَهم المُخْتلِفةِ، ذاتَ النَّبعِ الواحدِ، ويبرزُ بينهم مَنْ جمعوا بينَ الشِّعرِ والتَّصويرِ، ومنهم: وليم بليك (1757- 1827)، وهنري ميشو (1899- 1984)، وبول فاليري (1871- 1845)، وباول كلي (1879- 1940)، ورابندرانات طاغور (1861-1941)، وجبران خليل جبران (1882- 1931).

وإذا كانتْ العلاقةُ بينَ الفنونِ بهذَا العُمْقِ، فإنَّ العلاقةَ بينَ الأنواعِ الأدبيَّةِ، لا تقلُّ عُمْقًا، كَمَا أنَّ العلاقةَ بينَ كُلِّ فنٍّ مِنَ الفُنونِ الأدبيَّةِ القوليَّةِ، والفُنونِ البَصَريَّةِ والسَّمعيَّةِ لا تقلُّ عُمقًا وتفاعُلاً؛ فهيَ جميعًا تتبادلُ التَّأثيرَ، وهو ما يقودُ إلى تطوُّرِهَا، جميعًا، باسْتمرارٍ، وقدْ لاحَظَ رُومان ياكوبسون (1896- 1982) أنَّ طبيعةَ كُلِّ مرحلةٍ تُعطي الصَّدارةَ لنَوعٍ مُحدَّدٍ منْ هذه الأنواعِ، وتجعلُهُ مُهيمِنًا على غيرِهِ؛ “فالفُنونُ البَصَريَّةُ هيمنتْ – مَثَلا ً- على فُنونِ عصرِ النَّهضةِ، وهيمنتْ المُوسِيقا على الفَنِّ الرُّومانتِيكيِّ، وهيمنَ الفنُّ اللفظيُّ على الواقعيَّةِ (24)، بينما تُهيمِنُ على عَصْرِنَا الحَالي جماليَّاتُ الصُّورَةِ البَصَريَّةِ.

وأرسطو حينما وسَّعَ مفهومَ الشَِّعرِ؛ ليشملَ الفنونَ المُختلِفَةَ، واعْتَبَرَ الشَّاعرَ شاعِرًا، سواءَ حاكى باللغةِ المَنْثُورةِ أوالمَنْظُومةِ، وسواءَ جاءَ شِعرُهُ منْ جِنْسٍ واحدٍ من الأعاريض ِأو منْ جُملةِ  أعاريضَ مُجْتَمِعَةٍ (25)؛ فإنَّه قدْ عبَّرَ عنْ وِحْدَةِ الأنْواعِ الفنيَّةِ، ووحدةِ الأنْواعِ الأدبيَّةِ على السَّواءِ، وهو أيضًا، لم يُقصِِرْ الشِّعرَ على المنظومِ، وإنَّما جعله يتَّسعُ للمنثورِ، وما يجيءُ على وزنٍ واحدٍ أو عدَّةِ أوزانٍ، وهو، بهذا، يقتربُ من الموقفِ الجديدِ القائمِ على تجاوزِ (الجِنْسِ) إلى (النَّصِّ)، بعدَ أنْ تساقطتْ، تدرِيجيًّا ، الحُدودُ بين الأجْنَاسِ .

 وقدْ حلَّتْ نظريَّةُ النَّصِّ محلَ الجِنْسِ الأدبيِّ، معَ صُعودِ النَّقدِ البنيويِّ وما بعدَ البنيويِّ، وبينما كانَ الجِنْسُ يُمثِّلُ الشَّكلَ القاعدِيَّ، المُسْتَقِرَّ – نتيجةً لـ “انْتقاءِ  المُجتمعِ لخصائِصَ أدبيَّةٍ بعينِها، ورفعِهَا منْ مُسْتوى العملِ الفرديِّ؛ الذي وُجِدَتْ فيه أوَّلاً، إلى مُسْتوى مِنَ التَّعميمِ؛ يُحوِّلُهَا منْ كَوْنِهَا نِتَاجَ عملٍ فرديٍّ، إلى منظومةٍ مِنَ التَّقاليدِ المُحدَّدةِ لنوع ٍمُعَيَّنٍ، مِنَ المُمَارَسَاتِ الإبداعيَّةِ (26) – جاءَ النَّصُّ؛ ليُمَثِّلَ مُحَاولاتِ الانعتاقِ، التي تخرجُ مِنْ إطارِ الشَّكلِ القاعديِّ، إلى خُصوصيَّةِ الحَدَثِ الفَرْدِيِّ.

فإذَا كانَ الجِنْسُ يُمثِّلُ الشَّكلَ، فإنَّ النَّصَّ يُمثِّلُ التَّشكُّلَ.

 وقد رأى البعضُ في مفهومِ النَّّصِّ بَسْطًا واتِّساعًا، وعدمَ الدَّلالةِ على منطقةٍ مُحدَّدةٍ في خريطةِ الأدبِ وعجزًا عن تقديمِ مفهومٍ بديلٍ ومُحدَّدٍ للنَّوعِ (27)، غيرَ أنَّ مفهومَ النَّصِّ، نفسه، يُمثِّلُ الثَّورةَ على هذا التَّحديدِ، ويتخطَّى المُحدِّداتِ الثَّابتةَ، والدَّلالةُ الاصْطلاحيَّةُ لا تبتعدُ عن الدَّلالةِ اللغويَّةِ العربيَّةِ، على وجهِ العمومِ؛ فَمِمَّا وردَ في معنى النَّصِّ – في :(لسانِ العربِ) – أنَّ “النَّصَّ أصلُهُ منتهى الأشياءِ ومبلغ أقصاها، ومنه قيلَ: نصصْتَ الرَّجلَ إذا اسْتقصيْتَ مسألتَهُ عن الشَّيء حتَّى يستخرجَ كلَّ ما عنده.”(28)

وتعتبر جوليا كريستيفا (1941- ) النَّصَّ “أكثرَ منْ مجرَّدِ خطابٍ أو قولٍ؛ إذْ أنَّه موضوعٌ لعديدٍ مِنَ المُمارَساتِ السَِّيميولوجيَّةِ، التي يُعْتَدُّ بها على أساسِ أنَّها ظاهرةٌ عبْرَ لغويَّةٍ”(29)، بينما اعتبرَ رولان بارت (1915- 1980) – في حديثِهِ عن الانتقالِ من العملِ الأدبيِّ إلى النَّصِّ – أنَّ النَّصَّ “قوَّةٌ مُتحوِّلةٌ، تتجاوزُ جميعَ الأجْناسِ، والمراتبِ المُتعَارفِ عليها؛ لتُصبحَ واقعًا نقيضً، يُقاومُ الحدودَ وقواعدَ المعقولِ والمفهومِ .. فالنَّصُّ مفتوحٌ “(30) ، واعتبرَ النَّصَّ “مُمَارَسَةً تهدفُ إلى خلخلةِ الأجْناسِ الأدبيَّةِ.”(31)

 وإذَا كانَ مُصْطلحُ النَّصِّ يعني أنَّه اختراقٌ لمنظومةِ الأجْناسِ الأدبيَّةِ، وتجاوُزٌ للحدودِ الموضوعةِ بينها، فإنَّ نعتَهُ بالجامِعِ، يعني أنَّه مُلْتَقى لِشَتَّى إمْكانيَّاتِ الأجْناسِ معًا، واتِّساعه لتفاعُلاتِها.

وقد كانَ لبحوثِ الشَِّعريَّةِ أثرٌ واضحٌ، في تراجُع ِالاهْتمامِ بنظريَّةِ الأجْناسِ، والاشْتغالِ على جماليَّاتِ النَّصِّ؛ فقد التزمتْ الشَِّعريَّةُ بمنهجٍ لايميِّزُ بين الشِّعرِ والنَّثرِ، لدرجةِ أن تودوروف (1939- ) رأى أنَّ الشَِّعريَّةَ “تكادُ تكونَ مُتعلِّقةً، على الخُصوصِ، بأعمالٍ نثريَّةٍ”(32)، تتحقَّقُ فيها “الوظيفةُ الشِّعريَّةُ”(33)، وقد تنبَّه نقادُنا القُدامى إلى هذه الخاصيَّةِ، ومنهم ابن طباطبا العلويُّ (-322هـ)؛ الذي رأى أنَّ “الشِّعرَ رسائلُ مَعْقُودَةٌ، والرَّسائلَ شِعرٌ مَحْلولٌ، وإذا فتَّشتَ أشْعارَ الشُّعراءِ كُلَّها وجدتَها مُتناسِبةً، إمَّا تناسُبًا قريبًا أو بعيدًا، وتجدَها مُناسِبةً لكلامِ الخُطباءِ وخُطبِ البُلغَاءِ، وفِقَرِ الحُكَمَاءِ”(34)، ومنهم كذلكَ ابنُ خلدون (- 808هـ)؛ الذي بيَّنَ أن العربَ قد اسْتعملوا أساليبَ الشَِّعرِ وموازينَهُ في المنثورِ، من كثرةِ الأسْجَاعِ والتِزَامِ التَّقفيةِ وتقديمِ النَّسيبِ بينَ الأغْرَاضِ، وصارَ هذَا المنثورُ إذا تأمَّلتَهُ من بابِ الشِّعرِ وفنِّهِ، ولمْ يفترقا إلاَّ في الوزنِ …وهذا الفنُّ المنثورُ المُقفَّى أدخلَ المُتأخِّرونَ فيه أساليبَ الشِّعرِ”(35)، ومنهم كذلك السِّيوطيُّ (-611هـ)؛ الذي لاحَظَ أنَّه إذا قَوِىَ الانْسِجَامُ في النَّثرِ، جاءتْ قراءتُهُ موزونةً بلا قَصْدٍ؛ لقوَّةِ انْسِجَامِهِ (36)، ومنهم كذلكَ أبوحَيَّان التَّوحيديُّ (-403هـ)؛ الَّذي رأى أنَّ “في النَّثرِ ظِلٌّ مِنَ النَّظمِ، ولولا ذلكَ ما خَفَّ ولا حَلا ولا طَابَ ولاتَحَلَّى، وفي النَّظمِ ظِلٌ مِنَ النَّثرِ، ولولا ذلكَ مَا تميَّزتْ أشكالُهُ ولا عَذُبَتْ مَوَارِدُهُ ومَصَادِرُهُ ولا بُحُورُهُ وطرائقُهُ وائْتَلَفَتْ وصَائلُهُ وعلائقُهُ.”(37)

ومن نُقَّادِنا المُحدَثِينَ زكي مبارك ( 1891- 1952)؛ الَّذي لاحَظَ أنَّ ابنَ دُرَيد (-321هـ) قدَّمَ نُصوصًا لا تضعُ حاجزًا بينَ الفِكْرِ والتََّاريخِ والشِّعرِ، وكانت هذه (الخَلْطَةُ السِّريَّةُ) سببَ نبوغِ ابنِ دُرَيد.(38)

 وقد اعْتُبِرَتْ المَقَامَةُ نوعًا جامعًا؛ لِجمعِهَا بينَ النَّثرِ الفنيِّ والنَّظمِ، أو بينَ الشِّعرِ محلولا ًومعقودًا، وظلَّتْ هيَ الصِّيغةُ التَّاريخيَّةُ الأساسيَّةُ المُسْتَقِرَّةُ للنَّصِّ الجامِعِ قُرونًا عديدةً، كانَ مُبدعُوهَا يتنقَّلونَ – في فضاءاتِهَا – بينَ الشَّكلينِ، هكذا كانَ بديعُ الزَّمانِ الهَمَذَانيُّ (-393هـ)، في ترسُّلِهِ ومقاماتِهِ (40) – وقد ذَكَرَ الثَّعالبيُّ (-429هـ) في ترجمتِهِ للبديعِ، في (يتيمةِ الدَّهرِ)، أنَّه كانَ “يُوشِّحُ القصيدةَ الفريدةَ منْ قولِهِ بالرِّسالةِ الشَّريفةِ، منْ إنْشائِهِ؛ فيقرأ منْ النَّظمِ النَّثرَ ومنْ النَّثرِ النَّظمَ”(41)، وهكذَا كانَ أبو بكر الخُوارِزْميُّ (-383هـ)، والصَّاحبُ بن عبَّاد (-385هـ)، وأبو اسْحاق الصَّابيُّ (-184هـ)، وأقرانُهم منْ مُبْدِعي القرنِ الرَّابعِ الهِجْريِّ، وهكذا كانَ القاضي الفاضلُ (-596هـ)، وهكذا كان الوهرانيُّ – في مناماتِهِ ومقاماتِهِ(42)، كانَ المُبدعُ من هؤلاءِ يمزجُ الشِّعرَ بالنَّثرِ، في مقاماتِهِ وفي تُرسُّلِهِ، وأحيانًا في نصوصِهِ الشِّعريَّةِ، ومنْ ذلكَ ما كتبَهُ بديعُ الزَّمانِ الهَمَذانيُّ، لأبى بكرٍ الخُوارِزْميِّ ، عند قدومِهِ عليه بنيسابور، وكانَ قُطَّاعُ الطَّريقِ مِنَ الأعرابِ قد سلبوه مالَهُ وثِيابَهُ:

أَنَا لِقُرْبِ الأُسْتَاذِ أطَالَ اللهُ بَقَاءَهُ          كَمــَـــا طَـَــرَبَ النَّشــوانُ مـــَـالَتْ بــِهِ الخَمْرُ

وَمــِـــنَ الارْتـِـيــَـاح ِللِقــَــائـِـهِ              كَمـــَــا انْتَفـَــض َالعُصْفـُـورُ بَلَّلهُ القــَــطـْــرُ

وَمــِــنَ الامْتــِـــزَاجِ ِبــِـوَلائــِـهِ            كَمــَــا الْتَقـَــتْ الصَّهْبــَاءُ وَالبــَـارِدُ العــَــذْبُ

وَمـِــنَ الابْتِهـــَــاج ِبِمــــَــــرْآهُ             كَمَا اهْتَزَّ تَحْتَ البَارح ِالغُصْنُ وَالرَّطْبُ (43)

وهذا النَّصُّ – كما هو واضحٌ – شطرُهُ الأوَّلُ نثرٌ، وشطرُهُ الثَّاني شِعْرٌ موزونٌ على بحرِالطَّويلِ، ومنْ ذلكَ، أيضًا، نماذجُ عديدةٌ  للقاضي الفاضل، منها هذا النُّصُّ؛ الذي صَدْرُهُ نثرٌ، وعَجُزُهُ شِعرٌ موزونٌ على بحرِ الطَّويلِ، أيضًا، والذي يستهِلُّهُ هكذا:

وَصَلَ كتابُ مَوْلايَ بَعْدَمَا…..                        أجـَــــابَ المُنــَــادِي للصـَّــلاةِ فأعْتَمَـا

فَلَمَّا اسْتَقَرَّ لديَّ … … … …                       تَجَلَّــى الــذي مِنْ جَانِبِ البـدرِ أظْلََمـَـا

فَقَرَأتُهُ … … … … … …..                        بِعَيْنٍ إذَا اسْتَمْطَرْتُهَا أمْطـَــرَتْ دَمَـــا

وَسَاءَلْتُهُ … … … … … …                        فَسَاءَلْتُ مَصْرُوفاً عَنِ النُّطْـقِ أعْجََمَا

وَلَمْ يَرُدَّ جَوَابًا، … … … …                         وَمَاذَا عليـــهِ لــــَوْ أجَابَ  المُتَيَّمَـــا ؟

وَرَدَّدتُهُ قِرَاءَةً ، … … … ..                        فَعـُـوجِلْتُ دونَ الحِلـْــمِ أنْ أتَحـَــلَّمــَـا

وَحَفِظْتُهُ، … … … … … ..                        كَمَا يَحـْـفَظُ الحــُـرُّ الحَدِيثَ المُكَتَّمــَـا

وَكَرَّرْتُهُ ، … …. …. …. ..                        فَمـِـــنْ حَيــْثُ مَا وَاجَهْتُــــهُ قدْ تَبسَََّمَا

وَقبَّلتُهُُ ، … …. ….  ….. ..                      فََقَبَّلـْــتُ دُرًّا فــــي العُقـــــودِ مُنَظّمـــَا

وَقُمْتُ لَهُ، …. …. ….. …..                        فَكُنـْـتُ بِمَفـْـــرُوض ِ المَحَبــــَّـــة ِقَيِّمَا

وَأَخْلَصْتُ لِكِتَابِهِ ، …. …….                       وَلَيْسَ على حُكْمِِ الحـَـوَادِث ِمُحْكَمـــَــا

وَلَمْ أُصَدِّقْهُ ! … …. …. ….                      وَلكنَّهُ قـدْ خَالـــَـــطََ اللحــــمَ وَالدَّمـــــا

وَأرَّخْتُ وُصُولَهُ، …. …. …                       فَكــَـانَ لأيـــــدي الــــوسِائمِ مَوْسِمـَــا

وَشَفَيْتُ بِهِ غَليْلَ … …. …..                       فُؤادٍ أُمنِّيــــْهِ وقــــــدْ بلـــَــغَ الظَّمــَــا

وَدَاويْتُ عَليلَ … …. …. …                       حَشًا ضَرَّمَا فيه مِنْ النَّارِ ضَرَّمَا .(44)

وإذا كانتْ هذه النٌُّصوصُ الجَامِعَةُ ومثيلاتُهَا، تقومُ على بنيةٍ شعريَّةٍ؛ يتجاورُ فيها (الشِّعر)يُّ و(النَّثر)يُّ، في وحدةٍ نصيَّةٍ خالصة، فإنَّنَا، في أشكالٍ أخرى للنَّصِّ الجامِعِ لنْ نستطيعَ أنْ نفصلَ (الشِّعر)يَّ عن (النَّثر)يِّ؛ حيثُ انْصَهَرَتْ عناصرُهَمَا معًا، وتذاوبتا، في نسيج ٍجامِعٍ، وأبرزُ هذه الأشكالِ: النَّثرُ الصُّوفيُّ الشِّعريُّ، والنَّثرُ الشِّعريُّ، والشَِّعر الحُرُّ، وقصيدةُ النَّثر، وكانتْ هذه الأخيرةُ إيذانًا بانفتاحٍ آخرٍ، تتواشَجُ داخلَهُ طرائقُ ذاتَ مرجعيَّاتٍ أجْناسيَّةٍ عديدةٍ، ضِمْنَ البِنيَّةِ الشَّعريَّةِ الشَّاملةِ، أمَّا القِصَّةُ القصيدةُ، فهيَ شكلٌ  ذو أواصر عميقةٍ بهذه الأشْكالِ، غيرَ أنَّه يقعُ خارجَ دائرتِهَا، ويحتاجُ وقفةً أخرى، خاصةً.

تَدَاخُلاتُ الأنواعِ الأدبيَّةِ والفنيَّةِ

في فَضَاءِ قصيدةِ النَّثرِ العربيَّةِ الجديدة

يُعدُّ شكلُ  قصيدة النَّثرِ، في حدِّ ذاتِهِ، تجسيدًا دالاً لنظريَّةِ  تداخُلِ الأنْواعِ؛ حيثُ تتواشَجُ، في نسيجِهِ، آلياتُ الشِّعرِ والنَّثرِ، وقد تخطَّى شكلُهَا التَّفاعُلَ بينَ عناصرِ الشِّعر، وعناصرِ الأشكالِ (النَّثر)يَّةِ المُختلفةِ، إلى عناصرِ الأنْواعِ الفنيَّةِ الأخرى؛ كالسِّينما، والتَّصويرِ، والمسرحِ؛ وهو ما ظلَّ يكشفُ – في تحوُّلاتِهِ الدائِمَةِ – عن إمكانيَّاتٍ مُتجدِّدةٍ لقصيدة النَّثرِ.

وتكشف العديدُ من النُّصوصِ الشِّعريَّةِ المُنْجَزةِ منذُ أواخرِ القرنِ الماضي، عن ولعٍ حقيقيٍّ ، بتطويعِ آليَّاتِ الأنواعِ الأدبيَّةِ والفنيَّةِ، في فضاءِ النَّصِّ الشِّعريِّ، ويُلاحَظُ أنَّ هذا الولعَ جاءَ مُواكِبًا للانتقالِ منْ تداخُلِ النُّصوصِ إلى تداخلِ الأنواعِ، وهو ما تمثَّلَ في الانْتقالِ من (التَّناصِ) – إلى التداخُلِ الأجْناسيِّ؛ فكانَ التنَّاصُ بدايةً تأسيسيَّةً، لتحوُّلاتٍ أجناسيَّةٍ مُتعدِّدةٍ؛ حينَ تنبَّهتْ إليه جوليا كريستفا، وهيَ ترصدُ عمليةَ التَّفاعلِ النَّصيِّ، وتربطُ مشهدَ النَّصِّ بتاريخِ النُّصوصِ الأسبقِ؛ لتصلَ إلى أنَّ النَّصَّ هو فضاءٌ تتقاطعُ فيه نصوصٌ عديدةٌ، وأنَّه يتشكَّلُ ويُبْنَى مثلَ فُسَيْفِسَاء منَ الاسْتشهاداتِ؛ فَكُلُّ نَصٍّ هو امْتِصَاصٌ وتحويلٌُ لنصٍّ آخر(45)، ومنْ (التَّناصِ) انْطلقَ جيرار جينت إلى (التَّعالي النَّصيِّ أوعَبْرَ النَّصيَّةِ)و(جامعِ النَّصِّ)، وهو ما يعني- عنده – تَضَمُّنَ النَّصِّ مجموعةً منَ الصِّيغِ والأجْناسِ والخِطَاباتِ، وانطلقَ رولان بارت(46) خُطوةً أخرى، بانطلاقتِهِ (منَ الأثرِ الأدبيِّ إلى النَّصِّ)؛ وهو ما مثَّل َالانتقال من الجنسِ إلى عبور النَّوعية؛ حيثُ انفتاح النَّصِّ، على الأنواع الأخرى، ونستطيع أنَّ نلحظَ أنّ الانتقال من تداخُل ِالنصوص ِإلى تداخل ِالأنواع، مثَّل الانتقالَ منْ أُفُقِ (الحَدَاثَةِ) إلى أُفُقِ (مَا بَعْدَ الحَدَاثَةِ) .

ونستطيعُ أنْ نلحظ َأنَّ أبرزَ الآليَّاتِ حُضورًا في الشِّعريَّةِ العربيَّةِ الجديدةِ هيَ: آليَّاتُ البِنيةِ السَّرديَّةِ – آليَّاتُ البِنيةِ السِّينمائيَّةِ – آليَّاتُ بِنيةِ التَّصويرِ – آليَّاتُ البِنيةِ الدَّراميَّةِ.

– 1-

آليَّاتُ البنيةِ السَّرديَّةِ في النَّصِّ الشِّعريِّ الجديدِ

 

إنَّ علاقةَ الشِّعرِ العربيِّ بالسَّردِ قديمةٌ، ووثيقةٌ، وترجعُ إلى أقدمِ مراحلِهِ؛ فقد تضمَّنَ الشِّعرُ الجاهليُّ عناصرَ سرديَّةٍ كالوصْفِ والحِوارِ والسَّرد؛ ظَهَرَ هذا في شِعْرِ امْريء القيس (-542م)، وعنترة العبسيّ (-600م)، والأعْشى (- 630/8هـ) ،والحُطيئة ( -59هـ)، ثُمَّ ظهرَ – بوضوحٍ شديدٍ – في شِعْرِ عمر بن أبي ربيعة (23-93هـ)، وفي مطالعِ القرنِ الماضي ارْتبطَ شكلُ (الشِّعرِ المُرْسَلِ) بالقصائدِ القَصَصِيَّةِ، وقد بدا هذا الارتباطُ واضِحاً في شِعْرِ عبد الرحمن شكري (1886-1949)(47) المُرْسَل، ثُمَّ في شِعْرِ أحمد زكي أبي شادي (1892-1955) المُرْسَلِ (48)، وقد واصَلَ بعضُ شعراءِ (أبوللو) كتابةَ القصيدةِ القَصَصِيَّةِ(49)، كَمَا ارْتادَ بعضُهُم شكلَ القصيدةِ المسرحيَّةِ(50)، كذلكَ اعْتمدتْ حركةُ شِعْرِ التَّفعيلةِ- في خمسينيَّاتِ القرنِ الماضي وستينيَّاتِهِ – بشكلٍ بارزٍ – على البُنى السَّرديَّةِ، وهو ما ظهرَ في شِعْرِ صلاح عبد الصَّبور(1931-1981) وأمل دُنقل(1940-1983) على سبيلِ المِثَالِ، ومنذُ تسعينيَّاتِ القرنِ الماضي حاولتْ قصيدةُ النَّثرِ، الاسْتفادةَ القُصوى، من شتَّى آليَّاتِ البِنيةِ السَّرديَّةِ؛ ضِمْنَ انْفتاحِهَا على آليَّاتِ الأنواعِ الأدبيَّةِ والفنيَّةِ المُجاورة لها، وانفتاحِهَا على آفاقِِ نظرياتِ السَّردِ الحديثةِ؛ فظهرتْ طرائقُ عديدةٌ للسَّردِ، تؤدِّي أدوارًا شعريَّةً، ضِمْنَ خِطابِ السَّردِ الشِّعريِّ، ومنْ هذه الطَّرائِقِ:

-1-2-

 السَّردُ الغِنَائيُّ للحِكَايَةِ

هُو سَردٌ شعريٌّ يتخذُ شكلَ المُنولوجِ الشِّعريِّ الغنائيِّ ويتضمَّنُ شكلَ الحِكايةِ، في تدفُّقِهِ الشِّعريِّ الغنائيِّ، ويتعلَّقُ المتنُ الحِكائيُّ هنا بإجراءاتِ السَّاردِ الشِّعريَّةِ البنائيَّةِ، ومنه هذا النّصُّ لمحمود قرني (1961- )، بعنوان: “المِِيْتَةُ الثَّانيةُ للجِنرالِ نفسِهِ”(51):

“عَادَ الجِنرالُ إلى الحَيَاةِ

مُرْتَدِيًا بزَّةً طويلةًً وفضْفَاضَة

كُمَّاهَا يَبْدُوانِ أقصَرَ مَا فِيهَا

بينما تُثقِلُهَا عشراتُ النَّياشِيْنِ

كانَ يَسْتَيقِظُ – كَعَادَتِه ِ–

قَبْلَ طُلوعِِ الشَّمسِ

يَسْنِدُهُ جُنديُّ الخِدْمَةِ

إلى الحَمَّامِ

ثُمَّ يُعِدُّ له قَهْوَةََ الصَّبَاحِ

وَقَبْلَ أنْ يَهمَّ بِالخُروجِ

يقفُ أمَامَ المِرْآةِ

ليُصفِّفَ شَعْرَهُ الأجْعَدَ

وَلا يُلقِي  بَالاً لأشْيَاء َ تبدو مُهِمَّةً

بالأمْسِ كانَ يَقِفُ في تَقَاطُعِِ شَارِعَيْ

طلعت حرب و 26 يوليو

يَسْألُ المَارَّةَ مُسَاعَدَتَهُ على العُبورِ

لكنَّهُ كَعَادَتِهِ

في إضَاعَةِ الفُرصِ السَّهلَةِ

كانَ يَسْألُهُمْ

عنْ أشْيَاءَ لا تَعْنِيهم البتَّة ،

وَبِدَورِهِمْ اعْتَبروه رَجُلا ً فُضوليًّا

يُحَاوِلُ إثَارَةََ الضَّجِيجِ

كانَ كُمَّاهُ القَصِيْرَانِ

يَكْشِفَان ِعنْ رصَاصَاتٍ قدِيمَةٍ

اخْتَرَقَتْ سَاعِدَيْهِ

وَهُوَ أمْرٌ أثَارَ الكثيرَ

مِنَ القَرَفِ وَالدَّهْشَةِ

لكِنَّهُ تَغَاضَى عنْ قَسْوَةِ تِلكَ النَّظَرَاتِ

دَلَفَ إلى ” إكسلسيور”

مَكَانٌ نِصْفُ أنِيقٍ

اعْتَادَ أنْ يقضِي فِيْهِ سَهَرَاتٍ

مُفْعَمَةًٍ بِالكَلامِِ وَالذّهولِ

كانَتْ رَائِحَتُهُ النَّفاذةُ

مَثَارَ سُخْرِيةٍ منَ الجميعِ

كانَ يبدو مُغَبَّرًا وَأشْعَثَ

لا يَقْوَى على تَحْرِيك ِ سَبَّابَتَيْهِ ،

النَّادلُ يَعْرِفُهُ جَيِّدًا

ففي المَكَانِ نفسِهِ

رَأى على طَاوِلَتِهِ العَدِيدَ مِنَ الخُطَطِ الحَرْبيَّةِ

المُكْتظَّة بِالشَّفرَاتِ

وَمِنْ دُونِ أنْ يَنْظُرَ نَاحِيَتَهُ

عَادَ إليهِ بِقَهْوتِهِ المُفَضَّلةِ

حَاوَلَ اسْتِدْارَجَهُ إلى الكَلامِ

لكِنَّهُ لمْ يَكُنْ يَقْوَى على فِعْلِِ شَيءٍ

نَزَعَ سِلاحَهُ مِنْ جَانِبِهِ

وَحَاوَلَ أنْ يَدُسَّ في فَمِهِ

كُوبًا مِنَ المَاءِ وَالسُّكر ِ

لكِنَّ عِظَامَهُ تَدَاعَتْ

مِثْلَ كُوْمَةٍ مِنَ الرِّمَالِ

أمَّا رِجَالُ الأمْنِِ الكَرِيهُونَ

رَغْمَ أنَّهُمْ تَأسَّفُوا على مَصِيْرِهِ

فَقَدْ ألقُوا سِلاحَهُ وَعِظَامَهُ

في عَرَبةٍ تَكْتَظُ بِالمُجْرِمِيْنَ ،

لكِنَّهُمْ قَالوا :

إنَّهُمْ سَيُشَيِّعُونَهُ

كَمَا يَلِيقُ بِجِنِرَالٍ .”

هكذا يتبدَّى المتنُ الحكائيُّ، في تدفُّقِ المُنولوجِ الشِّعريِّ، في تواشُجٍ ٍكامل ٍ لهما معًا؛ يستخدمُ الشَّاعرُ، فيه، آليَّةَ السَّارد ِالـ (هو)، العليم؛ ليُحقِّقَ ما يُعرَفُ بـ (الرُّؤيةِ مِنَ الخَلْفِ)(52)؛ حيثُ يمتلكُ الشَّاعرُ السَّاردُ عِلمًا كاملاً بظاهرِالحكايةِ وباطنها، وإنْ كان يُركِّزُ، هُنا، على العناصرِ الخارجيَّةِ، الظَّاهرةِ، بتفاصيلِها المُتدفِّقةِ الدَّالةِ، في خِطابٍ شِعريٍّ يتمتَّعُ بدرجةٍ عاليةٍ من التّكثيفِ اللغويِّ والإيقاعيِّ .

1-3-

 السَّردُ الوَقائِعيُّ للحِكَايَةِ

هُو سَردٌ يحتفِي بتفاصِيلِ الحِكايةِ وعناصِرِهَا وأحْداثِها، في تدفُّقِها داخلَ البِنيَةِ الشِّعريَّةِ المَرْكزيَّةِ، وغالبًا ما يكونُ سَاردُ هذا الشِّعرَ عليمًا، وأحْيانًا يتمتَّعُ بدرجةٍ واضِحَةٍ مِنَ الحِياديَةِ، ومنْ هذا السَّردِ نقرأُ، منْ قصيدةِ (عجائز إسماعيل)(53)، لفتحي عبد السَّميع (1963- ):

“كانَ إسْمَاعِيلُ أوَّلَ مُوظَّفٍ

يُوَقِّّعُ في دفترِ الحُضُورِ

رَغْمَ أنَّهُ لمْ يَكُنْ سَعِيدًا

بِعَمَلِهِ كَاتِبًا في نِيَابَةِ مركزِ قِنا

وَكَثيرًا مَا كَانَ يَعُودُ إلى بيتِهِ

وَهُو يُفَكِّرُ في اسْتقالتِهِ

لمْ يَكُنْ جِسْمُهُ النَّحِيْلُ

على اسْتعدادٍ لِحَمْلِ أكثر منْ مَأسَاتِهِ

حَذَّرَهُ الأطِبَّاءُ مِنَ العَمَلِ بالفِلاحَةِ

أعْجَبَتْهُ الوظِيفَةُُ بَادِئَ الأمْرِِ

قالَ: خِدْمَةُ النَّاسِ حُلوةٌ

وَاحْتِرَامُ شَيْخُ الخُفَرَاءِ لي

شَيءٌ كَبِيرٌ

أسْنَدُوا إليه دفترَ الشَّكاوَى الإدَاريَّةِ

تَصَفَّحَهُ بحَمَاسٍ مَكتُومٍ

وَأخَذَ يَتَرَقَّّبُ أوَّلَ قادِمٍ

عَامَلَهَا كَضَيْفَةٍ

وَهُو ينظرُ إلى تجاعِيدِهَا بِوُدٍّ ومَهَابةٍ

لمَاذَا تأتِينَ يا جدَّتِي بمُفْرَدِكِ؟

عَثَرَ على اسمِهَا في الدَّفترِ

وَأخْبَرَهَا بِحِفْظِ الأوْرَاقِِ

وَلأنَّه كانَ مُوظَّفًا جَدِيدًا

تَطَوَّعَ زَمِيْلُهُ وَشَرَحَ الأمْرَ

لمْ تُصَدِّقْ أنَّهَا خَسَرَتْ القَضِيَّةِ

وَأخَذَتْ تَصْرُخُ في وَجْهِ إسْمَاعِيل

تَتَّهِمُهُ بالرِّشْوَةِ

وَتَدعُو اللهَ أنْ لا يأخُذَ رُوحَهَا

قَبْلَ أنْ تَرَاه مَشْلُولاً

هَكَذَا، تَسَتَّرَ إسْمَاعِيلُ بِالذّهولِ

وَأخَذَ يُحَدِّقُ في بابِ السَّمَاءِ

وَغَابَتْ العَجُوزُ في بابِ الزِّحَامِ

لكِنّهُ ظلَّ يَسْمَعُ صَوْتَهَا

كُلَّمَا نَامَ

وَكُلَّمَا اسْتَيْقَظَ.”

نلاحِظُ على أداءِ السَّردِ، هُنا، نزوعَهُ إلى الشَّفاهيَّةِ وتداوليَّةِ الخِطابِ، الْتِحَامًا بطبيعَةِ المتنِ الحِكَائيِّ، ويُقارِبُ زمنُ السَّردِ، زمنَ المتنِ الحِكَائيِّ؛ في خَطِّيَتِهِ، ورغمَ اعْتِمادِ السَّردِ، هنا، على وقائعيَّةِ الحِكَايةِ، وتسلسُلِهَا، فإنَّ الوعيَ بطبيعةِ الإيقاعِ في قصيدةِ النَّثرِ يبدو واضِحًا، وهو ما يُساهِمُ في تكثيفِ لغةِ السَّردِ، وإبرازِ شِعريَّةِ السَّردِ الشِّعريِّ.

-1-4-

 سَردُ اسْتِبطَانِ الحِكَايَةِ

هُو سَردٌ لا يقتصِرُ على وقائِعيَّةِ الحِكايةِ، وإنَّما يتعدَّاهُ إلى اسْتبصَارِ وقائِعِهَا، وسَبْرِ أغوارِهَا، ونظرًا لاعْتمادِ البرنامجِ السَّرديِّ، هُنا، على زمنِ الماضي، يُعرَفُ هذا السَّردُ بـ (السَّردِ الاسْتذكاريِّ)؛ وفيه – أحيانًا – يتدفَّقُ السَّردُ، بسرعةٍ؛ ليُحدِثَ ما يُعرَفُ بـ (القَفْزَةِ)، أو يتباطأ ليُحدِثَ (المشهد)(54)، ويحدُثُ – أحيانًا – أن يقومَ السَّاردُ بانْتقالاتٍ مُتكرِّرةٍ مِنَ الخارجِ إلى الداخلِ، والعكس، ومن هذا السَّردِ نقرأُ، من قصيدة “كائِنَاتُ الغُرفَة”(55)، لعاطف عبد العزيز (1956-):

” حَلُمْتُ في صِبَايَ أنْ أكونَ وَاحِدًا مِنْ سُكَّانِ وَسَطِ البلدِ ، أعْنِي القَاهِرَةَ، القَاهِرَةُ التي تَرَاءَتْ للخِديوي إسْمَاعِيل، في سَاعَةِ سُكْرٍِ، فَعَقَدَ العَزْمَ على سَبْكِهَا مِنْ أجْلِ عيونِ حبيبتِهِ جَامِدَةِ القَلْبِ … أوجِينِي.

اخْتَرْتُ بِنَايَةً لها مِصْعَدٌ مِنَ المُوبيليا وَمِنَ الحَدِيدِ الزُّخْرُفيِّ ، لَهَا دَرَجٌ من رُخَامٍ أبْيَضَ ، وَشُرُفَاتٌ على الطِّرَازِ القُوطيِّ تُطِلُّ على دَارِ القَضَاءِ العَالِي، بِمَا يُمَكِّنُنِي مِنْ مُشَاهَدَةِ التَّظَاهُرَاتِ التي سَوفَ تَخْرُجُ مُطَالِبَةً بِعَودَةِ الوفدِ، أوْ مُشَاهَدَةِ الغَوغَائِيينَ وَهُمْ يَسْحَبُونَ أخْشَابًا مُشْتَعِلةً باتِّجَاهِ الأمريكِيينَ عِنْدَمَا سَيَشْرَعُونَ في حَرْقِ العَاصِمَةِ ، قُلْتُ لِتَكُنْ 28 شارع فؤاد الأوَّل.

في الطَّابِقِ الرَّابِعِ كَانَ لَنَا جِيْرَانٌ يُونانيِّونَ: الرَّجُلُ يُضَارِبُ في البُورْصَةِ، وَالمَرْأةُ تُدخِّنُ سِيجَارَتَهَا مِنْ مِبْسَمٍ طَوِيلٍ، كَانَ يَحْلُو لَهَا أنْ تزورَ أُمِّي الرِّيفيَّةَ السَّمِينةَ وَهِيَ ترتدي رُوبًا مَنْزِليًّا مِنَ الحَرِيرِالأحْمَرِ، يَنْحَسِرُعن رُكْبَةٍ بَيْضَاءَ كُلَّمَا وَضَعَتْ رِجْلاً على رِجْلٍ.

كانَ مِنَ اللازمِ دِرَامِيًّا أنْ أُحِبَّ كَاترِينَا؛ بنت نيكولا مُضَارِبِ البُورْصَةِ، التي تَكْبُرُنِي بِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ؛ إذْ سَمَحَ لَنَا الجِوَارُ أنْ ارْتَادَ غُرْفَتَهَا مِنْ آنٍ إلى آخَرٍ؛ فَأتَأمَّلُهَا غَارِقَةً في العَزْفِ على البِيَانُو، أوْ قِرَاءَةِ أشْعَارٍ ليونانِيينَ مَوْتَى ، فِيْمَا أتَظَاهَرُ بِمُلاعَبَةِ مَارجو؛ قِطَّتِهَا النَّظِيفَةِ ، وَأنَا أخْتَلِسُ النَّظرَإلى سُوتيانٍ تَدَلَّى مِنْ دُولابٍ مُوَارِبٍ .

مِنَ اللازِمِ دِرَامِيًّا أيْضًا ، أنْ تَتَلهَّى فَتَاةٌ كَتِلْكَ بِالصَّبيِّ العَاشِقِِ في أوْقَاتِ الفَرَاغِ ، أنْ تَرَى فيهِ أدَاةً مَأمُونَةً لعَادَتِهَا السِّريَّةِ، أوْ غِطَاءً لغِيَابِهَا في المَشَاوِيرِ الخَطِرةِ، هذَا دُونَ أنْ تُحَطِّمَ حُلْمَهُ في أنْ يكونَ صِهْرًا لكفافيسَ ذَاتَ يومٍ”.

يستخدمُ الشَّاعرُ، هُنا، إمكاناتِ السَّردِ، بلا قيدٍ، ويُدِيرُهُ في حركةِ النَّصِّ الشِّعريِّ، إدارةً شعريَّةً، تحًُقِّقُ السَّردَ الشِّعريَّ، ويقومُ الشَّاعرُ بالتَّحكُّمِ في حركةِ زمنِ السَّردِ؛ فيُسْرِعُ أحيانًا، ويُبطئُ أحيانًا، كما يقومُ أحيانًا بتثبيتِ حركةِ الزَّمنِ، عنْ طريقِ اسْتخدامِهِ للوصْفِ؛ ليشكِّلَ إيقاعَ السَّردِ.

-1-5

سَرْدُ تَشَظَّي الحِكَايَةِ

هُو سَردٌ تتشظَّى فيه الحِكَايةُ، وتتداخلُ أجزاؤهَا وأزمنتُها، دونَ تتابع ٍ منطقيٍّ لأحْدَاثِ الحِكَايَةِ، لتشكِّلَ واقعًا مِيْتَاوَاقِعِيّ، وعَبْرَ ما أسْمَاهُ كمال أبو ديب بـ “التَّشَابُكِ الاختِلاطِيِّ، وانهيارِ المعقوليَّةِ والمُمْكِنَيَّةِ، والنُّزوعِ السِّرياليِّ”(56) تتحقّقُ شِعريَّةُ هذا السَّردِ، ومنْ هذا السَّردِ نقرأ لفتحي عبد الله ( 1957-):

” إنَّ مَا حَدَثَ

لمْ يَكُنْ صُدْفَةًً

فَقَدْ وَقَعْتُ في خَزَانَةِ

المَلابِسِ

وَشَارَكَنِي مُمَثِّلونَ كثيرونَ

وَلِوَلَعِي بِهِمْ

أشَاعُوا بِأنَّ أبْقَارِي

التي تَعهََّدْتُهَا بالرَّعَايَةِ

لمْ تُعْجِبْ لابِسِي الكَاوبوي

خَاصَةً وأنَّ لِحْيَتِي

لمْ تدُلّ كثِيرًا

على مَهَارةٍ في المُلاكَمَةِ

وَلا سُرْعَةٍ في حَشْو

المُسَدَّسِ

فَالمُخْرِجُونَ أنْفُسُهُمْ

زَوَّدُونِي بآلةٍ حَادةٍ

وَصَرَخُوا أمَامِي

وَلإنْقَاذِ جُثَّتِي

عَرَضْتُ عَليهِمْ

أنْ أذْبَحَ المُمَثِّلةََ

الصَّغيرَةَ

في حَرَارَةٍ

تُنَاسِبُ أدْوَارَهُمْ

المَلِيْئَةِ بِالصُّرَاخِ.”(57)

يعملُ السَّردُ، هُنا، عَبْرَ فَجَوَاتِهِ وانْقِطَاعَاتِهِ، على إقامةِ رُؤى كابوسيَّةٍ لا معقوليَّةٍ، يتبدَّى الفِعْلُ الإنسانيُّ فيها أدْوارًا وتمثِيلاً، يُجَسِّدُ وَاقعًا غَرَائِبيًّا وعَبَثيًّا .

-1-6-

 منْ سَرْدِ التَّفاصِيلِ المَعِيشَةٍ إلى أُسْطُورةِ السِّيرَةِ الذَّاتيَّةِ

انطلاقًا من تركيزِ قصيدةِ النَّثرِ على الشَّخصيِّ، والمعيش، والتَّفاصيليِّ، تقاطعتْ مع شكلِ السِّيرة الذَّاتيَّةِ؛ في اعْتمادِهَا على الإجراءاتْ نفسِهَا، وجاءَ هذا التَّفاعُلُ الحقيقيُّ بينَ شكلِ قصيدةِ النَّثر، وشكلِ السِّيرةِ الذِّاتيَّةِ، في عدَّةِ أعمالٍ؛ اشْتغلتْ على تفاصِيلِ التَّاريخِ الشَّخصيِّ، وسَبْرِ أغْوارِهِ، ومن أبرزِهَا: “سِيرةٌ ذاتيَّةٌ لِمَلاَكٍ”، لفريد أبي سِعدة (1946-)؛ وهُو نَصٌّ شِعريٌّ يقومُ على شكلِ المُتوالياتِ الشِّعريَّةِ، والحلقاتِ السَّرديَّةِ، التي يَتَضَامُ فيها التَّاريخُ الشَّخصيُّ؛ ليصنعَ أسْطورةً شخصيَّةً، من شُخوصٍ ومواقفَ وتفاصيلَ حياتيَّةٍ حقيقيَّةٍ وحميمةٍ، يجمعُهَا خَطٌّ روائيٌّ داخليٌّ، ومنْ ذلك السَّردِ، هذا النَّصُّ الذي يرصدُ فيه السُّاردُ ذاتَهُ الصَّغيرةَ، حينَ كانَ تلميذًا، عَبْرَ سَردٍ استذكاريِّ، يحتشدُ بالتَّفاصيلِ الخاصَّةِ؛ التي تصنعُ أسْطورةَ واقعٍ إنسانيٍّ حقيقيٍّ وبسيطٍ، وتحفظُ هذا الواقعَ من الزَّوالِ والنِّسيانِ:

“في الطَّريق إلى المَدْرَسَةِ

بمريلةٍ مُبقَّعةٍ، وشَنْطَةٍ مِنَ الخَشَبِ

أمضي إلى عمِّ “شَرَامَة”

فيلفّ لي سَندوتْشَاتِي ، ويُسَجِّلُهَا على الحِسَابِ

في الطَّريقِ إلى المَدْرَسَةِ

أرى الرِّجالَ بِِعَضَلاتِهِمْ المَفْتُولَةِ

يُعَلِّقونَ”العَسَلِيةِ” في المِسْمَارِ،

ويُليِّنونَهَا بِضَرْبِهَا في الحَائِطِ.

أرى الإسْكافيَّ يُشَمِّعُ خُيوطَهُ وَالصَّبيَّ يُجَهِّزُ إبَرَهُ المُقوَّسَةَ.

أرى الأمَّهَاتِ المُسْتَحِمَّاتِ يَتَهَامَسْنَ ، وَيَضْحَكْنَ،

وَيَسُقْنَ أطفَالَهُنَّ كَالدَّجَاج إلى المَدْرَسَةِ

أرى على الرَّصِيْفِ “بَحْبَحْ العَبِيْط”،

بِأسْمَالِهِ التي تُظْهِرُ عَوْرَتَهُ.”(58)

ويستعيدُ، هذا السَّاردُ، طَرَفًًا من سِيرَةِ أمِّه، ومنَ التَّفاصِيلِ المَعِيْشةِ البَسِيطةِ الحقيقيَّةِِ ذاتِهَا يُؤسِّسُ فضاءَ الحَالةِ الشِّعريَّةِ الإنسانيَّةِ المَعِيشَةِ، وبها يُؤسِّسُ بلاغةََ خِطَابِهِ الشِّعريِّ:

“ابْنةُ الشَّيخِِ، وَزَوجَةُ السَّائِقِِ الوَسِيْمِ

المَحْظوظَة ُ بينَ أخَوَاتِهَا

فَقَدْ تَفَسَّحَتْ مَعَهُ ذاتَ صَيْفٍ

في القَاهِرةِ والإسْكَنْدَرِيَّةِ،

(في عَرَبَتِهِ الفُوردِ المَكْشُوفَةِ)

عِنْدَمَا كانَ سَائقًا لأحَدِ الخَوَاجَاتِ.

حينَ عَادَ مِنَ الحَرْبِ،

أحْضَرَ لَهَا فَوَاكهَ لا تَعْرِفُهَا

وَحَكَايَا عن ” الضَّبعِ الأسْوَدِ” وَحِصَارِ الفالوجَا،

وَالعَسَاكِرِ الذين يَنْعَسُونَ في نُوبَاتجِيَّةِ الليلِ

ثُمَّ يُطلِقونَ النَّارَ فَجْأةً

على أشبَاحِِ التِّينِ الشَّوكيِّ!!

تنحَنِي على مَاكِينةِ الخِياطَةِ

(مَاركةِ سِيْنجَرَ)

لِتَخِيط َ لَنَا، وَتُسَاعِدَ في مَصْرُوفِ البيتِ.”(59)

– 2-

آليَّاتُ البِنيَةِ السِّينمائِيَّةِ في النَّصِّ الشِّعريِّ الجَديدِ

 مِنَ المُلاحَظِ أنَّ الأداءَ السِّينمائيَّ، في القصيدِ النَّثريِّ الجديدِ، هو أحدُ أبرزِ إجْراءاتِ التَّشكيلِ الجماليِّ؛ التي عكفَ عليها القصيدُ النَّثريُّ الجديدُ، مُلتحِمًا بمُختَلفِ آليَّاتِ الفِعْلِ السِّينمائيِّ؛ لتخليقِ مَجَازٍ بَصَريٍّ جديدٍ، ينتمي انْتماءً لافِتًا – إلى البلاغةِ السِّينمائيَّةِ، وهو ما تمثَّلَ في: اعْتمادِ تقنيةِ بناءِ المشهدِ – اعْتمادِ طريقةِ سردِ السِّيناريو- اعْتمادِ طريقةِ تحريكِ الكاميرا – اعْتمادِ تقنيةِ المُونتاجِ .

2- 2- 

اعْتمادُ تقنيةِ بناءِ المَشْهَدِ

من آلياتِ السَّردِ السِّينمائيِّ، التي ظهرتْ، بوضوحٍ، في قصيدةِ النَّثرِ الجديدةِ، تقنيةُ المشهدِ؛ وفيها يتمُّ تركيزُ الموقفِ السَّرديِّ، في أداءٍ بصريٍّ مُركَّزٍ، وتُسْتخدَمُ هذه التَّقنِيةُ  في بناءِ صورةٍ بصريَّةٍ كُليَّةٍ دالةٍ، تُحقِّقُ المجازَ البَصَريَّ، كما عند أمين صالح (1950- ) في هذا النَّصِّ:

” الطَّائِرَاتُ الورقيَّةُ الجَمِيْلَةُ

التي تَتَهادَى بِرَشَاقةٍ في الفَضَاءِ المَرِِحِِ

يُحَرَّكُهَا أطفَالٌ بوجُوهٍ مُغبَّرةٍ وملابسَ رثَّة .”(60)

-2-3-

اعْتِمَادُ طريقةِ سَرْدِ السِّيناريو

 

وتتمُّ ببناءِ المشهدِ Scene منْ لقطاتٍ مُتعدِّدةٍ، يُنظِّمُهَا بناءُ مونتاجٍ خاصٍّ؛ تتابعُ اللقطاتُ؛ لتُشكِّلَ المشهدَ؛ لهذا تُمثِّلُ اللقطاتُ مفرداتِ اللغةِ السِّينمائيَّةِ، التي تتضامُ؛ لتَصُوغَ المشهدَ، ومنْ مجموعِ المشاهدِ تتكوَّنُ الفصولُ، ومنْ مجموعِ الفصولِ، يتكوَّنُ  السِّيناريو Scenario ، وتؤدِّي الذاتُ الشَّاعرةُ، هُنا، دورَ المُخرِجِ السِّينمائيِّ للنَّصِّ الشِّعريِّ.

ومنْ هذه الطَّريقةِ هذا النَّصَّ لكريم عبد السَّلام (1967- )؛ الذي يجمعُ فيه بينَ التَّصويرِ الخارجيِّ والدَّاخليِّ:

” في حَرِّ الظَّهِيرَةِ، الصَّبيُّ وَاقِفٌ أمامَ البيتِ

وَالفَتَاةُ بِالدَّاخِلِ تَرْقُبُ حَرَكَتَهُ

ثُمَّ تَخْرُجُ الفَتَاةُ مُبْتَسِمَةًً، وَتَسِيْرُ على جَانِبِ الشَّارِعِ

وَعلى الجَانِبِ الآخرِ يَسِيْرُ الصَّبِيُّ، فِيْمَا يَتَبَادَلانِِ النَّظَرَاتِ،

الفَتَاةُ تَتَعَثَّرُ خُطُواتُهَا، وَالصَّبيُِّ يَعْبُرُ إليهَا،

بَعْدَ خَمْس عشرة خُطوةً تَشْتَبِكُ أصَابِعُهُمَا.”(61)

-2-4-

 اعْتِمَادُ طريقةِ تحريكِ الكَامِيرَا

عن طريقِ عينِ الكاميرَا يتمُّ تلقِّي عناصرِ المشهدِ السِّينمائيِّ، غيرَ أنَّ عينَ الكاميرَا، هُنا، ليستْ مُجرَّدَ آلةٍ للرُّؤيةِ؛ وإنَّمَا هيَ وسيلةُ بناءٍ؛ تنتخبُ اللقطاتِ، وتُحَدِّدُ الكادرَ والمنظورَ، وتُحْدِثُ التَّأثيرَ؛ بوضعِ اللقطاتِ العامةِ المُكبّرةِ والأخْرَى القريبةِ المُصَغَّرةِ، وكذلكَ درجة حركتِهَا تجاهَ التَّفاصيلِ، التي تُريدُ إبرازَها؛ باعْتبارِهَا سَرْدًا بَصَريًّا.

إنَّ إدارةَ حركةِ الكاميرَا، والتحكُّم في هذه الحركةِ، هو الأساسُ الذي يتشكَّلُ عليه الإيقاعُ التَّصويريُّ الدِّراميُّ المُكثَّفُ، للنَّصِّ السّينمائيِّ البَصَريِّ.

وإنَّ تحريكَ الكاميرَا يقومُ بتكوينِ طبيعةِ الصُّورةِ داخلَ الكادرِ؛ تبعًا لمسافةِ الكاميرَا عنْ الأشْياءِ؛ فإذَا ابْتعدتْ المَسافةُ تتشكَّلُ لقطةٌ عامةٌ بعيدةٌ، وإذا اقتربتْ تتشكَّلُ لقطةٌ كبيرةٌ مُقرَّبةٌ، وتُستخدَمُ هذه الحالةُ الأخيرةُ، في التَّركيزِ على الجُزءِِ؛ لإحْداثِ التَّأثيرِ والتَّبئيرِ.

ويُمكِنُنَا أنْ نرى اقترابَ الكاميرَا التَّّدريجيِّ، منْ عناصرِ المشهدِ؛ لتكشفَ – على مَهَلٍ – تفاصيلَهُ، بإيقاعٍ هادئٍ، لدى بسَّام حجَّار( 1955- 2009)، في هذا النَّصِّ؛ الَّذي يرْصُدُ فيه ذاتَهُ كآخرٍ:

” يَدِي العَسْرَاءُ

على جَبِيْنِي،

قَطَرَاتٌ مِنْ عَرَقٍٍ باردٍ

يَدِي الأُخْرَى

تلمَسُ الأنْفَ

وَالفَمَ وَالعُنقَ

وَإذْ تهْتَدِي إلى الصَّدْرِ

تَمْكُثُ

هُنَيْهَةً هُنَاكَ

عَيْنَايَ

تَلمَحَانِ الطَّيفَ بَعِيْدًا

وَالضَّوءَ المُتَصَابِي

لِصَبَاحٍٍ عَتِيْقْ.”(62)

وتُعْرَفُ هذه التَّقنيةُ، أحْيانًا بالصُّورةِ عنْ قُرْبٍ، وأحْيانًا باللقطاتِ البطِيئةِ (63)، وهيَ عكسُ الصُّورةِ الكُلّيَّةِ، العامةِ، التي ترصدُ المشهدُ بشكلٍ عامٍ، ويتمُّ الانْتقالُ منْ الصُّورةِ الكُلِّيَّةِ، العامةِ، إلى الجُزئيَّةِ، المقرَّبةِ، والعكسِ، في المَشْهدِ الواحِدِ، عن  طريقِ القطعِ (64)، وهو ما يُمكِنُ مُلاحظتُهُ لدى محمد متولي(1970- )، وهو يبنِي مشْهدًا شِعريًّا، بادِئًا بلقطةٍ عامةٍ منْ أعلى، وينتقلُ بعدَهَا، إلى أُخْرَى مُقرَّبةٍ، تفصِيليَّةٍ، فى هذا المُجْتَزَأ من نصِّهِ: “فَصْلٌ لونيٌّ”:

” زَوْجَانِ كَهْلانِ

يَرْقدَانِ على سَريرٍ ذي أعْمِدَةٍ نُحَاسِيَّةٍٍ

مَشْدُودِ الأغْطِيَةِ قليلِ الكَرْمَشَاتِ

لكنَّهُ يَكَادُ يَبْتَلِعُهُمَا لوْ نَظَرْتَ إليهِ

منْ سَقْفِ الغُرْفةِ عَظِيمِ الارْتِفَاعِ

يَبْدُو عَرَقُهُمَا وَالدَّهُونَ التي تَنِزُّ مِنْهُمَا أثنَاءَ النَّومِ

مَطبُوعَيْنِ على الوَسَائِدِ

منْ بينِ ثِيَابِهَا يبرزُ فَخْذُ الزَّوجَةِ المُتَرَهِّلِ

بِعَرَقٍٍ أزْرَق نَحِيْلٍ يَسِيْرُ بِطولِ السَّاقِ

بَيْنَمَا يُغَطِّي الشَّعرُ على مَلامِحِِ فَخْذِ الرَّجُلِ.”(65)

-2-5-

اعْتِمَادُ تقنيةِ المُونْتَاج

المُونتاجُ  Montageفي طليعةِ الأدواتِ السِّينمائيَّةِ المُنْتِجَةِ لبلاغةِ السِّينما؛ حيثُ يُعطِي اللقطاتِ الصَّغيرةَ دِراميَّةً واتِّصالاً وحياةً، وقد رأى يودوفكن “أنَّ أساسَ الفنِّ السِّينمائيِّ هو المُونتاج”(66)؛ فهو الذي يُعطِي النِّصَّ السِّينمائيَّ دِينامِيكِيَّةً ودِراميَّةً، عَبْرَ تتابُعِ اللقطاتِ، وِفْقَ بِنيةٍ سَرديةٍ خاصةٍ، وإيقاعٍ خاصٍّ، وقد اعتبر يودوفكن “اللقطةَ الواحدةَ شيئًا ميِّتًا .. ولا تدبُّ الحياةُ السِّينمائيَّةُ إلاَّ عندما تُوْضَعُ معَ غيرِها من اللقطاتِ، وتُعرَضُ باعْتبارِهَا جُزءًا منْ مجموعةِ لقطاتٍ مُخْتلِفةٍ، في هذه الحالةِ تتحوَّلُ اللقطاتُ من صُورٍ فوتوغرافيَّةٍ جامدةٍ للطَّبيعةِ إلى جُزءٍ من الشَّكلِ السِّينمائيِّ”(67)؛ فجوهرُ المُونتاجِ الحَرَكَةُ، وَالحَرَكَةُ إمَّا أنْ تكونَ في المكانِ؛ بتثبيتِ الزَّمانِ والتَّحرُّكِ في المكانِ، وَهُو مَا يَصْنَعُ المُونتاجَ المكانيَّ، وإمَّا أنْ تكونَ في الزَّمانِ، مَعَ تثبيتِ المكانِ؛ وهو ما يُشكِّلُ المُونتاجَ الزَّمانيَّ(68)، ويتجلَّى المُونتاجُ الشِّعريُّ، بوضُوحٍ، لدى يحيى جابر(1961- ) في نَصِّه “مَقبرَةُ الفِيَلَةِ “؛ الذي قدَّمَهُ باعْتبارِهِ: سِيناريو شِعْرِيّ؛ يتجسَّدُ فيه تشكُّلُ الشِّعرِ بآليَّاتِ السِّينمَا، ويتبدَّى فيه تفتيتُ اللحظةِ الشِّعريَّةِ، إلى مجموعةٍ كبيرةٍ من اللقطاتِ المُتشظِّيةِ، التي يقومُ المُونتاجُ بوصلِهَا، في بناءٍ دالٍ، ومنه:

“الخَطَّاطُ مُنْهَمِكٌ على لافتةٍ لصَرَّافٍ

تَحْتَ قدميهِ يافطةٍ باليةٍ لِتظاهُرَةٍ.

رَغْوةُ صَابونٍ تَتَرسَّخُ على زُجَاجِ مَقْهَى.

طَاوِلةٌ مُربَّعةٌ لمُجْتَمِعِيْنَ تَحْتَ قُبَّعاتٍ.

رَجُلٌ يَحْمِلُ دَجَاجَة تُفَرْفِرُ بَيْنَ يَدَيهِ

يَتَنَاقَشُ بِحِدَّةٍ مَعَ آخرٍ يَحْمِلُ بَيْضَةً.

رَجُلٌ يُمزِّقُ أوراقَ رُوزنَامَةٍ

وَيَرْمِيْهَا في صَحْنِ مُتَسَوِّلةٍ.

نادَلُ يَكْنُسُ حُرُوفاً وَأوْرَاقاً.

صِيصان بينَ الطَّاولاتِ.

على طاوِلةٍ مُسْتطيلَةٍ

حَقِيبَةُ سَمْسُونَايت

نظَّارَةٌ سَودَاءُ. قفَّازَاتٌ بِيْضٌ

دُمْيَةُ مَانِيكَانٍ،عكَُُّازاتٌ،

ضِمَادَاتٌ مَلفُوفةٌ حَوْلَ الكَرَاسي.

في الخَارِجِ

تَنْزَلِقُ عَرَبَةُ مُقْعَدٍ بَيْنَ السَّيارَاتِ.”(69)

-3-

آليَّاتُ بِنيةِ التَّصويرِ

تُعَدُّ بلاغيَّاتُ فنِّ التَّصويرِ وأبنيتِهِ الفنيَّةِ، من الأنساقِ البنائيَّةِ الأساسيَّةِ، التي اعْتَمَدَهَا  القصيدُ النَّثريُّ الجديدُ، ضِمْنَ اعْتِمادِهِ بلاغيَّاتِ الصُّورةِ البَصَرِيَّةِ – بشكلٍ عامٍ – والفَرْقُ الجَوهَرِيُّ بينَ الصَّورةِ المَشْهَدِيَّةِ، التي يَصْنعُهَا السِّينمائيُّ عنْ الأُخْرَى، التي يَصْنَعُها الرَّسامُ، هُو أنَّ الأُولى مُتحرِّكةٌ.

وتتبدَّى آليَّاتُ  فنِّ التَّصويرِ في القصيدِ النَّثريِّ الجديدِ، على عدَّةِ مَحَاورَ، أبرزُهَا: إقامَةُ بِناءِ النَّصِّ الشِّعريِّ على طريقةِ بناءِ اللوحةِ – اعْتِمادُ آليَّاتِ الطَّبيعةِ الصَّامتةِ في فنِّ التَّصويرِ – توظِيفُ عِلاقَةِ الضَّوءِ بِالظِّلِّ ، في بناءِ النَّصِّ الشِّعريِّ.

-3-2-

بنَاءُ النَّصِّ الشِّعريِّ، على طريقةِ بنَاءِ اللوحَةِ؛ وَمِنْهَا طريقةُ بنَاءِ المَنْظَرِ الطَّبيعيِّ

ويتبدَّى هذا على نحوٍ خاصٍّ، في مُراعاةِ بناءِ المشهدِ، وعلاقةِ الكُتلةِ بالفَراغِ، وعلاقةِ الأشْياءِ بعضِهَا ببعضٍ، في حَيِّزِ المشهدِ، إنَّ التَّركيزَ على إقامَةِ التَّكوينِ، وإبرازِ العلاقاتِ القائمةِ بينَ الأشْياءِ داخلَ التَّكوينِ هو ما يجعلُ المشهدَ يتخطَّى المنظورَ المَرئِيَّ إلى بَثِّ الإيحاءاتِ والدَّلالاتِ، ومنْ هذه الشِّعريَّةِ هذا النَّصُّ، لخزعل الماجدي (1951-):

“في أُفُقِ البَحْرِ

أجْنِحَةُ السُّفُنِ

وفي سَاحِلِهِ أجْنِحَةُ الطُّيور.”

من الواضحِ، هُنا، اعتماد النَّصِّ على مجازٍ بَصَريٍّ؛ ببناءِ صُورةٍ بصريةٍ “ثابتةٍ، تنقلُهَا العينُ بموضوعيَّةٍ وحِيادٍ.. إنَّهَا منظرٌ طبيعيُّ مأثورٌ: بحرٌ ممتدٌ في أفُقِهِ المفتوحِ سُفُنٌ تستعدُّ للإبحارِ، فيما تظلُّ على السَّاحلِ الطُّيورُ، وكأنّها تنتظرُ سُفنًا أخرى، هذه  الصُّورةُ العِيانيَّةُ ترتكزُ شِعريًّا على تقنيةٍ ، تستعيرُ من الرَّسمِ عناصِرَهُ التَّصويريَّةَ، ولكنَّ الشِّعرَ موجودٌ في أغشيةٍ خفيفةٍ، سُرعانَ ما نتعرَّفُ عليها؛ فالأجنحةُ التي أسندَهَا الشَّاعرُ للسُّفنِ وهو يُطلِقُها في الأفقِ البحريِّ، تُوازي أجْنِحَةَ الطُّيورِ المُقيدَّةِ على السَّاحلِ.”(70)

ويرسُمُ محمد متولي لوحةً شعريَّةً، أخرى، تُراعِي بناءَ المنظرَ الطَّبيعيِّ، في نصٍّ بعنوانِ: “قمر شريد”، جاءَ على هذا النَّحوِ:

” الشَّاطِئُ خَالٍ

إلاَّ مِنْ طِفْلَينِ

يَرْقُبَانِ القَمَرَ في حَسْرَةٍ

بَعْدَ أنْ أفلَتَ خَيْطُهُ

مِنْ أيديهِمَا.”(71)

ففي هذا البناءِ البَصَريِّ المُحْكَمِ، اسْتحالتْ الطَّائرةُ الورقيَّةُ إلى قمرٍ، يرنو إليه الطِّفلانِ، بعدَ أنْ كانَ في أيديهِمَا؛ أصْبَحَ حُلْمًا، ومِنَ الواضحِ هُنا، كما في النَّصِّ السَّابقِ، الاهتمام الواضح بالتَّكوين.

 

-3-3-

 بناءُ النَّصِّ الشِّعريِّ، على طريقةِ بنَاءِ لوْحَاتِ الطَّبيعَةِ الصَّامِتةِ

الطَّبيعةُ الصَّامتةُ من التَّقنياتِ المعروفةِ في فنِّ التِّصويرِ، وفيها يتمُّ وضعُ بعضِ العناصِرِ والأشياءِ الجَامدةِ، غيرِ الحيَّةِ، في بناءٍ دالٍ، ومُعبِّرٍ عن حسٍّ إنسانيٍّ، دونَ أنْ يكونَ للحضورِ الإنسانيِّ أيُّ وجودٍ، سِوىَ ما يتولَّدُ من علاقةِ العناصِرِ والأشْياءِ.

ومن صُور الطَّبيعةِ الصَّامتةِ، في شِعريَّةِ القصيدِ النَّثريِّ الجديدة، هذا النَّصُّ لمحمد الحمامصي (1964- ):

” وَجْهَا البَابِ يُفتَحَانِِ على مقعَدٍ فارِغٍ .”(72)

ولنُلاحِظْ الايجازَ الشَّديدَ للعناصِرِ، في فضاءِ النَّصِّ؛ وهِيَ خاصِيةٌ أساسِيَّةٌ في بناءِ مشهدِ الطَّبيعةِ الصَّامتةِ، وهو ما يُؤدِّي إلى إنتاجِ نصٍّ شعريٍّ شديد الإيجازِ والتَّكثيفِ؛ كهذا النَّصِّ، لبَسَّام حَجَّار:

” كُرْسيُّ الخَيْزُرَانِِ

مُسْتَقِيمُ الظَّهْر قُرْبَ اليَاسَمِيْنَةِ على الشُّرْفةِ.”(73)

-3-4

 بناءُ النَّصِّ الشِّعريِّ بتفاعُلِ العِلاقة بَيْنَ الضَّوْءِ وَالظِّلِّ

تُعْتَبَرُ العِلاقةُ بينَ الضَّوءِ والظِّلِّ، في طليعةِ العِلاقاتِ التَّشكيليَّةِ المُنتِجَةِ للدَّلالةِ، ولدراميَّةِ التَّكوينِ، في فضاءِ اللوحَةِ، ولدى شاعرٍ مثل بَسَّام حَجَّار، تتبدَّى آليَّةُ الضَّوءِ وَالظِّلِّ في بناءِ نُصوصٍ شِعريَّةٍ، كهذا النَّصِّ:

” كَانُوا سَاهِمِيْنَ

يُحَدِّقُونَ في الفَرَاغِ الذي أمَامَهُمْ

على العَتَبَةِ

تَجْلِسُ ظِلالٌ لَهُمْ

فِتْيَةٌُ

كَأنَّهَا أشبَاحُ عُمْرٍ سَابِقٍ.”(74)

إنَّ اعتمادَ النَّصِّ على تقنيةِ الضَّوءِ والظَّلِّ يُحْدِثُ نوْعًا من التَّوازي والحِوَارِ بينَ المَجَالينِ، تتولَّدُ عنه دَلالاتُ الغِيابِ والخَواءِ.

وقد يأتي التَّشديدُ على الدَّلالةِ، بالتَّشديدِ على الضَّوءِ، وحده، كما في هذا النَّصِّ، لفاطمة قنديل (1958- ) :

” النَّافذةُ المُضِيْئَةُ

العَاليَةُ جِدًّا

طَابَعٌ على مَظرُوفٍ سَمَاويٍّ

يَحْوِي خِطَابًا

لَيْلِيًّا.”(75)

-4-

آليَّاتُ البِنيةِ الدِّراميَّةِ

إذا كانتْ عناصرُ البناءِ الدِّراميِّ – التي تشكَّلتْ عليها الدِّراما الشِّعريَّةُ، منذُ أرسطو (384-322ق.م)، مرورًا بهوارس (65 ق .م – 8 ق.م)، وصُولاً إلى ت . س . إليوت (1888-1965) – تتمثَّلُ في أربعةِ أركانٍ هِيَ:

الشَّخصيَّاتُ – الحِوَارُ – الأحداثُ – الصِّراعُ؛ فإنَّ البِنيةَ الدِّراميَّةَ، في القصيدِ النَّثريِّ تتمثَّلُ في الآلياتِ الآتيةِ: تحوُّلاتِ المُنولوجِ الدِّراميِّ (الذي تتدفَّقُ الأحداثُ على مجرَاهُ، وتتطوَّرُ- من داخلِهِ – في تحرُّكِهِ السَّرديِّ) – الموقفِ الحِواريِّ (حَتَّى وإنْ أتى هذا الموقفُ في شكلٍ غنائيٍّ) –  العلاقاتِ المُتقابِلَةِ بينَ الأشياءِ والمَوَاقفِ في فَضَاءِ النَّصِّ الشِّعريِّ – مَسْرَحَةِ المَوْقفِ الشِّعريِّ – مَسْرَحَةِ الحَالةِ الشِّعريَّةِ.

-4-2-

 أبْنِيَةُ المُنولوجِ الدِّرامِيِّ

نظرًا للطِّبيعةِ الغنائيَّةِ للنَّصِّ الشِّعريِّ، بشكلٍ عام، يُعْتَبَرَ المُنولوجُ أكثر الأنواعِ الدِّراميَّةِ انتشارًا، في الأداءِ الشِّعريِّ، وأكثرُ أبنيةِ المُنولوجِ تحقُّقًا، في القصيدِ النَّثريِّ الجديدِ، تتركَّزُ في: بِنيةِ النَّجْوَى – بِنيةِ المُنولوجِ المُخَاطِبِ – بِنيةِ المُنولوجِ التَّشخيصيِّ، الكاشِفِ للأحداثِ، وتُشِيرُ هذه الأشكالُ المُنولوجيَّةُ، مُجْتَمِعَةً، إلى انْحيازِ القصيدِ النَّثريِّ الجديدِ، إلى دِراميَّةِ المُنودْرَامَا؛ حيثُ دِراميَّةُ الصَّوتِ الواحدِ، بتحوُّلاتِها الدَّاخليَّةِ، وَبِصِوَرِهَا السَّرديَّةِ الدِّراميَّةِ المُتواليةِ الجَيَّاشَةِ.

-4-2-1-

 بنيَةُ النَّجْوَى

وفيها يتدفَّقُ الخِطابُ الشِّعريُّ، من الدَّاخلِ، في الدَّاخلِ، مُتوهِّجًا، ودِراميَّا، كثِيفًا، على هيئةِ مُنولوجٍٍ، تتبدَّى دِراميَّتُهُ منْ تنامِي المُكاشَفَاتِ والأحْدَاثِ والبَوْحِ في مجرَاهُ، كما في قول سَيف الرَّحبي (1956- ):

” بَيْنَ لَيْلَةٍ وَضُحَاهَا

اكْتَشَفْتُ أنَّنِي مَازِلْتُ أمْشِي،

ألْهَثُ علىِ رِِجْلَيْنِِِ غَارِقتَيْنِِِ في النَّومِِ

لا بَرَيْقَ مَدِيْنَةٍ يَلوحُ

وَلا سَرَابَ اسْتِرَاحَةٍ

على رِجْلَيْنِِ ثَاويَتَيْنِ في النَّومِِ

أنَا الذي ظنَّ بِأنَّهُ وَصَلَ

وَعِنْدَ أوَّلِ مَدْخَلٍ

تَنَفَّسْتُ رَائِحَةَ قهْوَةٍ وَنُبَاحِ كِلابٍ

فَكَوَّمْتُ جَسَدِي

كَحَشْدٍ مِنَ المُتْعَبِيْنَ وَالجَرْحَى

لكِنَّنِي عَرَفْتُ أنَّ الضَّوءَ الشَّاحِبَ

يَتَسَلَّلُ مِنْ رُسْغِي

خيطَ دَمٍ

يَصِلُ الشِّعَابَ بِوِدْيَانِهَا الأُوْلَى.”(76)

4-2-2-

 بِنيَةُ المُنولوجِ المُخَاطِبِ

تكشفُ هذه البِنيةُ عن مَوقفٍ حِواريٍّ، رغمَ انتفاءِ شكلَ الحِوَارِ؛ بعلاماتِهِ الصَّريحَةِ، في الخِطابِ الشِّعريِّ؛ فثمَّةَ شخصيَّةٌ تتحدَّثُ، وتُوجِّهُ الحديثَ إلى أُخْرَى؛ واحدةٌ مُرْسِلةٌ وأُخرى مُسْتَقْبِلةٌ، وهذه الأخيرةُ حاضرةٌ بالضَّرورةِ؛ باعْتبارِهَا المَخصوصةَ بالخِطابِ، ويظلُّ ثمَّةَ حضورٌ للأنا المتكلِّمِ والآخرِ المُخَاطَبِ، في انتقالاتٍ مُتواليةٍ داخلَ الخِطابِ، وهو ما يُؤدِّي إلى النموِّ الدِّراميِّ، للنَّصِّ الشِّعريِّ، ومنْ هذه البنيةِ قولُ علاء خالد (1961- ):

” البَلَحُ الأسْوَدُ، التِّيْنُ، الجَوَافَةُ،

حَبَّاتُ البَطَاطَا المَشْوِيَّة؛

فَوَاكِهُ الطُّفولةِ التي كَبرَتْ مَعَكِ،

 الطَّائِفَةُ المُسْتثناةُ من قائِمةِ الممنوعَاتِ لأيِّ طبيبٍ.

وَهُنَاكَ أيْضًا، كِيسُ الفولِ السُّودانيِّ السَّاخِنِ،

الذي كانَ يتركُهُ وَالدُكِ

بجوَارِ السَّريرِ، وَأنْتِ نَائِمَةٌ.

وَأحْيَانًا كُنْتُ أضْبِطُك ِ ليْلاً،

وَآثارُ الشِّيكولاتةِ على فمِكِ

تَضْحَكِيْنَ مِنَ الخَجَلِ،

وَتَمْسَحِيْنَ بِقُوَّةٍ آثارَ الجَرِيْمَةِ،

كَأنَّكِ تَطْمِسِيْنَ الذَّاكِرَةَ

لِهَذَا الفَمِِ المُذْنِبِ.”(77)

4-2-3-

 بنيَةُ المُنولوجِ التَّشخيصِيِّ

وفيها تتبدَّى وقائعُ المشهدِ الدِّراميِّ، في فضاءِ المُنولوجِ الشِّعريِّ المُتدفِّقِِ، عَبْرَ بنيةٍ غنائيَّةٍ، تتضمَّنُ أطرَافًا حِكائيَّةً، في موقفٍ دِراميٍّ مُكثَّفٍ، كما لدى عزمي عبد الوهاب (1964- )، في هذا المجتزأ:

” انْتَهَيْنَا

اذْهَبِي الآنَ إلى الحَفْلِ

بِجَسَدٍ مُهَيَّأ للطَّعْنِ

أنْتِ سَعِيدةٌ طَبْعًا

بِكِ وَجْهٌ جَدِيْدٌ

وَيَدَانِ مَا اسْتَرَاحَتَا في كَفٍّ غَرِيْبَةٍ

عَنِ العَائِلَةِ

كَمَا أنَّ الرِّيجِيمَ القَاسِي الذي اتَّبعْتِيْنَهِ مُِنْذُ شُهُورٍ

يَجْعَلُكِ أجْمَلَ…،

يَكْفِي أنَّهُ خَلَّصَّكَ مِنَ النِّكَاتِ البَذِيْئَةِ في الهَاتِفِ،

وَالبِيتزَا، وَشِجَارِ أمِّكِ المُتَواصِلِ،

وَالمَشَاوِيرِ الأسْبُوعيَّةِ مِنَ “الدُّقِّي” إلى “الهِيْلتُون”

انْتَهَيْنَا

وَلكِنْ

إذَا تَعَمَّدَ أنْ يُحِيْطَ خِصْرَكِ بِذِرَاعَيْهِ

وَأنْتِ تَرْقُصِيْنَ مَعَهُ كَفَرَاشَةٍ سَكْرَانَةٍ

أدِيْرِي وَجْهَكِ بَعِيْدًا

في عُيون ٍجَاءَتْ لِتَشْهَدَ الذَّبِيْحَةَ ..،

وَارْتَبِكِي أكْثَرَ

بِحَيْثُ تَبْدُو شَفَتُكِ العُليَا بِالتَّحْدِيْدِ

وَكَأنَّهَا أُميَّةٌ ..،

امْنَحِي وِجْهَتَكِ قَلِيلاً مِنَ الحُمْرَةِ الخَجُولِ

وَأنْتِ تَنْظُريْنَ إلى أسْفَلَ

دَعِيْهِ يَتَبَاهَى بِذِكُورَتِهِ أمَامَ الأصْدِقَاءِ

في المَقَاهِي وَالبَارَاتِ المُعْتِمَةِ.”(78)

 

-4- 3-

 مَسْرَحَةُ المَوْقفِ الشِّعريِّ

وفيها يتمُّ وضعُ الموقفِ الشِّعريِّ، في إطارٍ مَسْرحيٍّ، يُراعِي العَلامَاتِ البِنائيَّةِ الأساسيَّةِ للبناءِ المَسْرَحيِّ، ويُشكِّلُ فَضَاءَهُ الدِّراميَّ، كما في قولِ عاطف عبد العزيز:

” في آخِرِ  المَمْشَى

مَقْعَدٌ حَجَرِيٌّ وَصَبَّارَتَانِ

قالَ الولدُ ( الذي يُعذِّبُهُ زَوْجُ الأُمِّ):

العَامَ القَادِمَ

سَوْفَ نَرْحَلُ يَا حَبِيْبِي إلى الشَّمَالِ،

في مُونتريَالِ

لنْ يَكُونَ لَدَيَّ فائِضٌ مِنَ الوَقْتِ

سَأدْرُسُ،

وَأعْمَلُ،

وَأحِبُّكِ

قَالَتْ البِنْتُ:(التي تَمْسَحُ أُمُّهَا بَلاطَ المُسْتَشْفَى):

في مُونتريَالِ

لَنْ يَكُوْنَ لَدَيَّ فَائِضٌ مِنَ الوَقْتِ

سَألِدُ بِنْتًا لَهَا عَيْنَانِ بُنِّيتَانِ،

سَأطْهُو بَازِلاَّءَ

سَأُحِبُّكِ.”(79)

-4-4-

 مَسْرَحَةُ الحَالةِ الشِّعريَّةِ

تتشكَّلُ الحالةُ الشِّعريَّةُ، في صورةِ مواقفَ وَرُؤى دِراميَّةٍ، كما في هذا النَّصِّ، لجرجس شكري (1967- )؛ الذي يجعلُ القِطارَ، فيه، فَضَاءً للحَدَثِ الدِّرامِيِّ الغَرَائِبيِّ الكَابوسِيِّ، ويقومُ بعرْضِ الحالةِ الشِّعريَّةِ، عَرْضًا دِراميًّا، عن طريْقِ الأداءِ الحركيِّ، وَالشَّخصيَّاتِ وَالوَثَبَاتِ الزَّمنيَّةِ، وَالعناصِرِ البَصَرِيَّةِ وَالسَّمعيَّةِ وَالحِوَاريَّةِ، التي تتواشَجُ لِصِياغَةِ بِنيةٍ دِراميَّةٍ سيرياليَّةٍ للنَّصِّ الشِّعريِّ:

” ثَمَّةَ قِطَارٌ يَحْمِلُ المَوْتَى

إلى فَوْق

وَأنَا في العَرَبَةِ الأخِيْرَةِ

بَعْدَ أنْ فَقَدَ السَّائِقُ كُلَّ المَحَطَّاتِ

إلى أيْنَ؟

سَألَ رَاكِبٌ إلى جِوَارِي

ثُمَّ ألقى بِخَاتَمِهِ مِنَ النَّافِذَةِ

وَبَكَى ، خَلَعَ آخِرَ مَلابِسَهُ

وَصَنَعَ عَلَمًا

رُبَّمَا يَدُلُّ العَابِريْنَ عَليْنَا

وَالسَّائِقُ يَنْصَحُ عَبْرَ إذَاعَةٍ دَاخِليَّةٍ

بِالسَّهرِ على رَاحَةِ المَوْتَى.

وَحِيْنَ كَانَ القِطَارُ يَعْبُرُ الصَّحَرَاءَ

أمْطَرَتْ

وَتَسَرَّبَ المَاءُ إلى مَقَاعِدِ المَوْتَى

فَأزْهَرَتْ الجُثَثُ وَتَفَتَّحَتْ

وَفِيْمَا بَعْدَ

وَجَدْنَا وُرُودًا صَغِيْرَةً تَتَدَلَّى مِنْ المَقَاعِدِ

وَالمَوْتَي يَبْتَسِمُونَ

اقْتَرَحَ رَاكِبٌ أنْ نَفْتَحَ النَّوَافِذَ وَالأبَوْابَ

فَفَعَلْنَا

وَقَالَ آخَرٌ:

نَتَقَاسَمُهُمْ فِيْمَا بَيْنَنَا

فَأَخَذَ كُلٌّ مِنَّا مَيِّتًا إلى جِوَارِهِ

وَرُحْنَا نُسَامِرُهُمْ

وَالسَّائِقُ يَمْشِي في خَطِّ مُسْتَقِيْمٍ.”(80)

الإحَالاتُ وَالتَّعليقَاتُ

(1) راجعْ: مَدخل إلى النَّصِّ الجامعِ، لجيرار جينت- ترجمة: عبد العزيز شبيل، مُراجعة: حمادي صمود – المجلس الأعلى للثَّقافة – 1999- ص ص:70 – 71.

(2) السَّابق – ص: 71 .

(3) محمد عبد المطلب – النّصُّ المُشْكِل – كتابات نقديَّة – العدد: 92- الهيئة العامة لقصور الثَّقافة – يوليو 1999- ص ص: 10-11.

(4) مدخل إلى النَّصِّ الجامع – سابق – ص: 36.

(5) عبد الغفَّار مكاوي- حِكاياتٌ شَاعريَّة: قصائد قصصيَّة من الأدب الألماني الحديث – آفاق عالميَّة، العدد: 39 ، الهيئة العامة لقصور الثَّقافة – 2004- ص: 7.

(6) السَّابق – ص: 6.

(7) مقالٌ بعنوان : ظهر منذ عهد المُفكِّرينَ اليُونانيينَ النّصّ المفتوح ..- جريدة: (البيان) – دُبي – دولة الأمارات العربيَّة المُتَّحدة – الأحد 28 مايو 2000م.

(8) إبراهيم حمادة – على هامش الأنواع الأدبيَّة – مجلّة: (القاهرة) – العدد :84- 15 يونيه1988- ص ص:4- 5 .

(9) عبد الله نور- ضِمْنَ تحقيق: التّصنيف الإبداعيّ ، لهدى الدَّغفق – مجلّة: (الحرس الوطنيّ ) – أكتوبر/ نوفمبر 1996- ص: 79 .

(10) يتجلَّى هذا بوضوحٍ، في نظريَّة (النَّظم) لعبد القاهر الجُرجانيّ (-471هـ )، التي جاءت تتويجًا لجهودٍ كثيرةٍ، في هذا الشَّأن، ساهم فيها بلاغيُّونَ ومُتكلّمونَ لمدَّةٍ تتجاوزُ القرنينِ والنَّصف، ومنهم: الجاحظُ (-255هـ ) وأبو عبد الله محمد بن يزيد الوَاسِطيُّ (-306هـ) والرُّمانيُّ (- 384هـ) والخَطَابيُّ (-388هـ) والبّاقلانيُّ (-403هـ) والقاضي عبد الجبَّار (-415هـ) وقُدامةُ بن جعفر (-337هـ) وأبوهلال العسكريّ (-395هـ ) وابنُ رشيق (- 463هـ)، ومنْ بعدِ عبد القاهر ، شدًّدَ على ( النّظم ): ابنُ الأثير (-637هـ) وابنُ خلدون (-808هـ) …

(11) يلاحَظُ أنْ هذه المصطلحات – ما عدا الأخير منها – تجمعُ في علاقةِ النَّعتِ بالمنعوتِ، بين الجِنْسِِ والصِّيغةِ، لتحديدِ طبيعةِ كلِّ نوعٍ؛ حيثُ يُمثّل الجِنْسُ مَنعوتًا – والصِّيغةُ نعتًا، والنَّعتُ تابِعٌ يأتي لإبرازِ صِفَةِ المَنعوتِ (الجِنْسِ) وتوضيحه، أمَّا الأخيرُ: ( قصيدةُ النَّثرِ)، فيتأسَّسُ على علاقةِ الإضافةِ في التَّعريف.

(12) أرسطوطاليس – كتاب أرسطوطاليس في الشِّعر – تحقيق وترجمة: د. شكري محمد عيَّاد – الهيئة المصريَّة العامة للكتاب – 1993- ص: 30.

(13) د.عبد الغفار مكَّاوي- قصيدة وصورة: الشِّعر والتَّصوير عَبْرَ العصور – عالم المعرفة – العدد: 119 – الكويت – تِشرين الثَّاني 1987- ص:9.

(14) الجاحظ – الحيوان – الجزء الثَّالث – تحقيق عبد السَّلام هارون – القاهرة – 1965- ص:131.

(15) د.شاكر عبد الحميد – عصر الصُّورة – عالم المعرفة – العدد: 311- الكويت – يناير 2005- ص: 195.

(16) فؤاد زكريا – مع المُوسيقى – مكتبة مصر- د.ت – ص:64.

(17) السَّابق- ص ص:64- 65.

(18) السَّابق- ص:67.

(19) السَّابق- ص :70.

(20) السَّابق – نفسه .

(21) جي- أي – مولر، فرانك ايلفر- مائة عام من الرَّسم الحديث- ترجمة: فخري خليل – دار المأمون – بغداد – 1988- ص:65.

(22) فاسيلي كاندنسكي- الرَّوحانية في الفنّ- تعريب: فهمي بدوي- مراجعة : مرسي سعد الدين- الهيئة المصريَّة العامة للكتاب – 1944- ص: 56.

(23) هربرت ريد – معنى الفنِّ – ترجمة : سامي خشبة – مراجعة : مصطفي حبيب – الهيئة المصريَّة العامة للكتاب – 1998- ص : 9 .

(24) وَرَدَ في: تداخُل الأنواع في القصَّة القصيرة 1960- 1990، للدّكتور: خيري دُومة – الهيئة المصريَّة العامة للكتاب – 1998- ص: 62.

(25) كتاب أرسطوطاليس في الشعر – سابق – ص: 30.

(26) د- محمد فكري الجزَّار – فِقهُ الاختلاف: مُقدِّمة تأسيسيَّة في نظريَّة الأدب – كتابات نقديَّة – العدد: 87- الهيئة المصريَّة العامة لقصور الثَّقافة – أبريل 1999- ص: 113.

(27) منْ هؤلاءِ: عبد الفتَّاح كليطو، ومحمد برادة – راجعْ: تداخُل الأنواع القصَّة القصيرة 1960- 1990- سابق – ص:28.

(28) ابن منظور – لسان العرب – الجزء الرَّابع عشر – دار إحياء التُّراث العربيِّ، ومُؤسَّسة التَّاريخ العربي – ط3 – بيروت – لبنان – 1999- ص:163.

(29) د. صلاح فضل – بلاغةُ الخِطاب وعِلم النَّصِّ – عالم المعرفة، العدد:164- الكويت -أغسطس 1992- ص:229 – 230.

(30) السَّابق – ص: 231، ويُرَاجَعُ النَّصُّ الكامل المعنون بـ: من الأثر الأدبيِّ إلى النَّصِّ، في كتاب: درس السِّيميولوجيا – لرولان بارت – ترجمة: عبد السَّلام بن عبد العالي – دار توبقال للنَّشر – الدَّار البيضاء – الطَّبعة الثَّالثة – 1993- من ص:59 – 67.

(31) درس السِّيميولوجيا – سابق – ص: 48.

(32) تزفيطان تودوروف – الشِّعريَّة – ترجمة: شكري المنجوت ورجاء بن سلامة – دار توبقال – الدَّار البيضاء – المغرب – الطَّبعة الأولى- 1987- ص:24.

(33) فاطمة الطبَّال بركة – النَّظرية الألسُنيَّة عند رومان جاكوبسون: دراسةٌ ونصوصٌ – المُؤسَّسة الجامعيَّة للدِّراسات والنَّشر والتَّوزيع – بيروت – 1993 – ص ص: 74 – 75.

(34) ابن طباطبا العلوي – عِيارُ الشِّعر – تحقيق: عبَّاس عبد السَّتار – دار الكتب العلمية – بيروت – ص:81.

(35) عبد الرحمن بن خلدون – مُقدِّمة ابن خلدون – الجـزء الثَّاني – دار إحياء التُّراث العربيِّ – الطَّبعة الأولى – بيروت – 1999- ص : 567 .

(36) السِّيوطيُّ – الإتقان في علوم القُرآن – الجزء الثَّاني – مطبعة حجازي بالقاهرة – 1941- ص : 147 .

(37) أبو حيَّان التَّوحيدي –  المُقابسات – تحقيق: حسن السِّندوبي – دار سعاد الصَّبَّاح – 1992- ص: 245.

(38) ظَهَرَ منذ عهد المُفكرين اليونانيين النَّصِّ المَفتوح – سابق.

(39) عبد الفتَّاح كليطو – المَقامَاتُ: السّردُ والأنساقُ الثَّقافيَّة – ترجمة: عبد الكبير الشَّرقاوي- دار توبقال – المغرب – 1993- ص:73.

(40) انظرْ: مَقَامَات بديع الزَّمان الهَمَذَانيّ، شرح وتحقيق: محمد مُحي الدين عبد الحميد – الهيئة المصريَّة العامة للكتاب – 2002- من ص: 209: 224، على سبيلِ المِثالِ.

(41) عن : تاريخ آداب العرب، لمصطفى صادق الرَّافعي – الجزء الأوَّل – مكتبة الإيمان – 1997 – ص: 150.

(42) انظرْ: مناماتُ الوهرانيّ ومَقاماتُهُ ورسَائِلُهُ: تحقيق: إبراهيم شعلان، محمد نغش، مُراجعة: د. عبد العزيز الأهواني – الهيئة العامة لقصور الثَّقافة – 1998- ص: 2 ، 9، 16، 17، 25 ، 65، 66، 67، 76، 113، على سبيلِ المِثالِ.

(43) أبو العبَّاس أحمد القلقشنديّ – صُبْحُ الأعْشَى – الجزء الأوَّل- دار الكتب الخديويَّة – 1913- ص ص:280- 281 وقدْ وردتْ كذلكَ، في: رسائل بديع الزَّمان – طبعة بيروت – 1921 – ص: 128، ويُنْظَرُ النّصُّ ومناسبته في: المُنتخَبِ من أدبِ العَربِ – الجزء الثَّاني  – جمعه وشرحه: طه حسين، أحمد السَّكندري، أحمد أمين، علي الجارم، عبد العزيز البِشريّ، أحمد ضيف – مطبعة دار الكتب المصريَّة بالقاهرة – 1350هـ – 1931- ص: 327.

(44) صُبْحُ الأعْشَى- سابق – ص ص: 277 – 278.

(45) عمرأوكان- مدخل لدراسة النّصّ والسُّلطة – أفريقيا الشّرق ، الدَّار البيضاء، المغرب – الطَّبعة الأولى – 1991- ص: 60.

(46) رولان بارط – درسُ السِّيميولوجيا – ترجمة: عبد السّلام بنعبد العالي ، تقديم: عبد الفتاح كليطو – دار توبقال للنَّشر، المغرب – الطَّبعة الثَّالثة- 1993 – ص:61.

(47) في ديوانِهِ الثَّاني: لآلئ الأفكار ، الصَّادر في عام 1913 ، قصائد قصصيَّة من الشِّعر المُرْسَل ، هِيَ : نابليون والسَّاحر المِصْرِيّ ، وَاقعة أبي قِير ، عِتاب المَلك حِجْر ،لابنِهِ امْرِئ القيسِ .

(48) في ديوانه: الشَّفق الباكي، الصَّادر في عام 1927، نجدُ العديد من القصائد القصصيَّة مثل :الرُّؤيا : ص ص: 658 – 659،: مملكة إبليس، ص ص 1023- 1024، : ممنون الفيلسوف، ص : 625 .

(49) انظرْ، على سبيلِ المِثالِ،: قصَّة اليخت النَّائم، لعثمان حلمي، أبوللو، المجلَّد الثَّاني، ص: 888، ص: 1048، ص :1097، وانظرْ: في الصّحراء، لسيد قُطب، أبوللو، المجلَّد الأوَّل، ص:746، وانظْر: الدَّخيل المُعتدِي، لمختار الوكيل، المجلَّد الثَّاني – ص:842.

(50) انظرْ، على سبيلِ المِثالِ: حديث الآلهة، لمحمد سعيد السّحراوي، أبوللو، المجلَّد الثَّاني، ص :506، وانظرْ: يومانِ، لصالح جودت، أبوللو، المجلَّد الثَّالث، ص :773 .

(51) محمود قرني- قصائد الغرقى- دار التَّلاقي للكتاب، القاهرة- الطَّبعة الأولى- ديسمبر 2008- ص ص:53 -56، ويحضر النّصُّ كامِلاً، هنا، نظرًا لطبيعةِ السَّردِ في المتنِ الشِّعريِّ.

(52) د. حميد لحمداني – بنية النّصِّ السَّرديِِّ – المركز الثَّقافي العربيّ – بيروت، لبنان – الطَّبعة الثَّانية – 1993- ص:47.

(53) فتحي عبد السَّميع – الخيط في يدي – إبداعات، العدد: 48، الهيئة العامة لقصور الثَّقافة – نوفمبر 1997 – ص ص: 77 – 79.

(54) حسن بحراوي – بنية النّصّ الرِّوائي – المركز الثَّقافي العربيّ – بيروت، لبنان – الطَّبعة الأولى -1990- ص:119، وما بعدها.

(55) عاطف عبد العزيز – مِخيال الأمْكِنة – النَّاشر: هامش – الطَّبعة الأولى – 2005 – ص ص :42- 45.

(56) كمال أبو دِيب – اللحظة الرَّاهنة في الشِّعر- مجلَّة: (فُصول)، المجلَّد الخامس عشر، العدد الثَّالث – خريف 1996- ص: 18.

(57) فتحي عبد الله – سعادة مُتأخِّرة – الهيئة المصريَّة العامة للكتاب – 1998- ص ص: 23- 24.

(58) فريد أبو سِعدة – سِيرة ذاتيَّة لمَلاك – مركز المحروسة، القاهرة – 2008- ص:113.

(59) السَّابق- ص:123.

(60) أمين صالح – موتٌ طَفيف – المُؤسَّسة العربيَّة للدِّراسات والنّشر – بيروت – الطَّبعة الأولى- 2001 – ص : 110.

(61) كريم عبد السَّلام – فتاةٌ وصبيٌّ في المَدَافن – دار الجديد – بيروت، لبنان – الطَّبعة الأولى- 1999- ص:11.

(62) بسََّام حَجَّار- بِضعةُ أشْياءَ – منشورات الجمل – كولونيا، ألمانيا – الطَّبعة الأولى – 1997- ص: 28.

(63) روبرت همفري – تيَّارالوعي في الرِّواية الحديثة – ترجمَهُ وقدَّم له وعلَّق عليه: الدّكتور محمود الرَّبيعي – دار الهاني للطِّباعة – 1973 – ص:74 .

(64) أرنست لندجرن – فنُّ الفيلم – ترجمة: صلاح التّهامي، مُراجعة: أحمد كامل مرسي – الألف كتاب، العدد:247- المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية – 1959 – ص:60.

(65) محمد متولي- النُّزهاتُ المفقودة – دار الكتابة الأخرى – يناير 2010 – ص ص: 40 -41.

(66) فنُّ الفيلم – سابق –  ص: 40.

(67) السَّابق –  ص:71.

(68) روبرت همفرى – تيَّار الوعى، في الرِّواية الحديثة – سابق – ص ص: 74- 75.

(69) يحيى جابر – الزُّعران – بيروت – 1991- ص: 39.

(70) حاتم الصقر – من مُقترحاتِ الحداثة الرَّاهنة – مجلَّة: (شئون أدبيَّة)، السَّنة السَّادسة – العدد 21 – صيف 1992 – ص:22.

(71) مجلَّة :(الأربعائيُّونَ) – العدد :3/4 – شتاء 1992 – ص:12.

(72) محمد الحمامصي – موتٌ مُؤجَّلٌ في حَديقة – أصوات أدبيَّة، العدد: 394، الهيئة العامة لقصور الثَّقافة – 2008 – ص:74.

(73) بَسَّام حَجَّار- بِضعةُ أشْياءَ – سابق – ص: 60.

(74) السَّابق – ص: 70.

(75) مجلَّة: (شئون أدبيَّة) – العدد:21- صيف 1992 – ص:96.

(76) سَيف الرَّحبي – رَجُلٌ من الرَّبعِ الخَالِي – دار الجديد – بيروت – 1993 – ص: 10.

(77) علاء خالد – تُصْبِحِينَ على خَير- دار شرقيَّات، للنَّشر والتَّوزيع – 2007 – ص ص: 47-48.

(78) عزمي عبد الوهاب – حارسُ الفنارٍ العجوزِ – الدَّار، للنَّشر والتَّوزيع – 2007 – ص ص:  7 -10.

(79) عاطف عبد العزيز – الفَجْوةُ في شَكلِهَا الأخير – الدَّار ، للنَّشر والتَّوزيع – 2007 – ص ص: 64- 65.

(80) جرجس شكري – ضَرورةُ الكلبِ في المَسْرحيَّةِ – أصوات أدبيَّة، العدد:280 – فبراير 2000 – ص ص: 21 -22.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.


Site is using the Seo Wizard plugin by Seo.uk.net ( seo.uk.net )