سوزان ابراهيم تكتب: أربع دقائق | موقع قصيدة النثر - kasedat-elnathr-site

سوزان ابراهيم تكتب: أربع دقائق

بعد ساعةٍ من المشي السريع، أتوقف.
تبدو السماء لوحة بيضاء شاسعة
يحاول رسامٌ مبتدئٌ، أو ربما مجنون، أو سكران بيده قلم فحم وعلى يمينه
اللونان الأبيض والأزرق فقط، أن يرسم بتلقائية وفطرية!
بدتِ الغيومُ
مثل قطعٍ يمكن جمعها مع بعضها البعض أو توزيعها بأشكال متباينة، لا ضابط
ولا أصل يُقلَّد، هي مجرد شطحات، مع ذلك تتخذ أشكالاً بوهيمية لذيذة.

أُحدّق في غيمة ضخمة. كلما نظرت إليها بعمق بدت مختلفةً، إذ تتبدل الرسوم
التي أراها. هي الآن كهف بفم واسع، وثمة إصبع كبير يشير إلى المدخل
أو الفم الفاغر، على الباب-الفم تظهر أشباح ستة أشخاص، تراءى لي أنهم “أهل
الكهف” ولعله التوقيت الذي ذهب فيه سابعهم ليرى ما الذي حدث في المدينة
بعد غياب طويل أو نوم طويل داخل الكهف، وهو لم يعد بعد! بلى لعله عاد، فعلى
مسافة قصيرة من الستة الواقفين في مستوى أعلى، ظهر رجل يلوّح بيديه أو
لعله يخبرهم شيئاً لم أستطع تبيّنه .
مرةً أخرى تغيّر المشهد تماماً
فما عاد للغيمة شكل الكهف، بل هي سلحفاة ضخمة وعلى ظهرها رجلان متكئان كل
منهما بعكس الآخر بحيث اتكأ الأول على يمينه، والآخر على يساره، فاقترب
الرأسان الضخمان من بعضهما، لا يبدو لي أنهما متفقان تماماً، ولكن ما الذي
يتحدثان به أو يناقشانه!
في الأسفل، بعيداً عن السلحفاة التي اختفت،
ثمة طريق ضيق تحت جرف صخري أبيض، وفي الأعلى اجتمع سبعة أشخاص أحدهم يرتدي
قبعة من القش كتلك القبعات التي يرتديها الفيتناميون في حقول الرز، هل
كانوا سبعةَ أهل الكهف أم آخرين!
هل هي الغيمة من تلعب بوجهها وتتحول
من شكل إلى آخر، أم أن حركة الريح تعبث بها، أم هو خيالي من يرسم للغيمة
عدة احتمالات! إنها مرة أخرى “سيمفونية الاحتمالات” وصوت الدكتور “دين هير”
يتردد: لا تهتم بما يفكر به الآخرون، لا تلعب أي دور فلا شيء مطلوب، ليس
عليك أن تبرهن أي شيء، لا تقاوم ولا تبدي رد فعل، أنت موجود مع كل شخص وكل
شيء حولك، أنت تحب أنت!
على طرف الغيمة المتجه نحو الشرق ثمة منحوتة
نصفية غاية في الجمال، الغيمة-الحليب كأنها رخام أبيض، بدا التمثال لامرأة
هي فينوس، أو ربما زنوبيا، لكنها ليست نفرتيتي بالتأكيد! بعد لحظة تغير شكل
الوجه المنحوت فبدا لي وجه مريم العذراء الرقيق يفيض محبةً!
حين
ابتعدت قليلاً ثم عدت للنظر إلى الخلف نحو الغيمة، كان المشهد قد تغير
كلياً. ثمة بجعة ثلجية كبيرة منفوشة الريش مثل مخفوق بيض هش، بدت لي حزينة
وعيناها منكستان نحو الأرض. لعلّها آنّا بافلوفا تؤدي رقصة البجعة وقد
أدركها الموت، الرقصة التي ابتدعها ميخائيل فوكين، والتي رقصتها حوالي 4000
مرة، إنها الدقائق الأربع الأخيرة من حياة بجعة!
فكرتُ: لو كانت هذه هي الدقائق الأربع الأخيرة من حياتي فما عساي أفعل!
مشيت بضع خطواتٍ، ورأسي ملتفّ إلى الخلف، لمعرفة آخر شكل للغيمة، لقد
اختفى كل شيء ولم يبق سوى ماء البحيرة متكاثفاً على شكل غيوم مدججة برماد
كل الاحتمالات !

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.


Site is using the Seo Wizard plugin by Seo.uk.net ( seo.uk.net )