أشرف الجمال يكتب : الأنا الواعية وزحام العالم .. قراءة في ديوان (كم عليّ أن أحبك) | موقع قصيدة النثر - kasedat-elnathr-site

أشرف الجمال يكتب : الأنا الواعية وزحام العالم .. قراءة في ديوان (كم عليّ أن أحبك)

13887134_10153821569877709_1500285502945398399_n

الأنا الواعية وزحام العالم .. قراءة في ديوان ( كم عليّ أن أحبك )

………..

يمثل فعل القراءة عالما موازيا لفعل الإبداع على مستوى تناول الشعر .. لا سيما قصيدة النثر بما تكتنه من دلالات وجودية وعرفانية لها مردودها في الحكم على الذات الكاتبة رؤية وتصورا وصياغة ولغة تخرج عن مواضعات المعجمية لتراهن على إحداث وعي معرفي خاص بالذات والوجود .. ولا يمكن من هذا المنطلق عزل الفني عن الفلسفي .. والرمزي عن الوجودي .. فالشعر ليس فنا فحسب وإنما هو فضاء معرفي يتكيْ على الرمز والصورة والتخييل لإقامة وعي خاص بالعالم .. ينأى عن التقرير والحسم ويترك الباب مفتوحا لاستنطاق الدلالة واستبطان تصوراتنا والرهان على دينامية الجدل بين اللغة – كمعادل رمزي لمصادقات الوجود – وبين العالم بما فيه ومن فيه .

ينطلق ديوان ( كم عليّ أن أحبك ) للشاعرة علياء سروجي في بناء رؤيته الفلسفية للعالم من وعي مفارق لاستاتيكية الموروث .. وهو بمثابة إعلان من الذات الكاتبة لانتفاضة رؤيوية تمثل تصوراتها الخاصة وأفكارها المؤطرة بتخوم تجربتها الإنسانية الفردية .. فالديوان يجسد بوضوح جنوح الأنا للاستقلال ورفض الذوبان ماهيةً في الآخر الإنساني أو الوجودي وإن استلهم بعض الموروث فإنما هو بمثابة البحث عن جذور تؤكد أصالة ثقافة الشاعرة ولا تعني بأي حال ارتدادا أو غرقا في الماضوي .. ورغم ما يبدو من زحام ومناوشة لقضايا جمعية كالوطن والحرب والعروبة وغير ذلك مما يتخطى فردية الأنا إلى حدود الآخر المجموع ؛ حتى ليبدو العنوان ( كم عليّ أن أحبك ) رغم رومانسيته تضليلا متعمدا للذات القارئة وإثارة لوعي المتلقي وتحريضا لتساؤلاته فـ ( كم ) تفتح أفق الدلالة هنا في سياقها فقد تعني ( السؤال المعاتِب ) فيكون المعنى هنا : لقد فعلت كل ما بوسعي لأصل إلى محبتك ولم أصل بعد .. فإلى متى وإلى أي حد عليّ أن أحبك لأصل .. وقد تحتمل كم معنى ( أن الطريق شاق جدا وبعيد للوصول إلى خالص المحبة المستحقة وكم عليّ أن أبذل الجهد لأكون من أهل استحقاقها ) .. ويتجلى التضليل هنا في أن المخاطب في العنوان قد يبدو متشخصنا ومعينا .. فيما تكذّب شواهد النصوص ودوال الرؤية حقيقة التشخصن هذه .. فالمخاطب ليس إنسانا .. ليس متعينا ناسوتيا .. وإنما هو المطلق .. الإلهي المتجلي خطابا في الإنساني .. اللاهوتي المتعين رمزا ولغة في الناسوتي .. وتلك النزعة إحدى تقنيات الكتابة المعروفة عند الشعراء ولا سيما الصوفية منهم ؛ إذ يعبرون عن الحقائق المجردة بما يمكن للعقل أن يعيه متأنسنا .. وكما يقولون ( كلما اتسعت الإشارة ضاقت العبارة ) . تقول علياء سروجي :

كم عليّ أن أحبك 

ليتفهم الماء عمقه في الصحاري

ليعرف زهر الصبار حاجته للشوك

ويدرك السنونو أناقته في سماء بنفسجية

كم عليّ أن أحبك

ليتوقف الضجر عن معاندتي

ينكفيء الكون عن محاربتي 

يكف البشر عن محاكمتي

أجعلهم يعتنقون الحب

وأقنعهم بأنك حبي الأبدي .

 

ومن هنا تلجأ الشاعرة لتأطير رؤيتها إلى تجريد القيمة والخروج عن مبدأ الجسدنة .. فالجسد لديها مجرد أيقونة ومجلى لإظهار واردات الروح وأسرارها وبعدها المعرفي الممتد ليتخطى نسبية الجسد إلى إطلاق الحقيقة .. بحيث يمكن التعبير عن مشاهد الحب المتجسدة قبلات وأحضانا إلى قيمة عرفانية توازي معنى الفناء .. ذوبان الأنا النسبية في الإطلاق الرباني .. بمعراج الحب .. الحب الذي ينفي الإنية لصالح المحبوب ( الله ) بحيث لا وجود للأنا شخصا وما يوازيها من معادل ( أنت/ الإنساني ) في حضرة الفناء .. فليس للذات الكاتبة مطلوب سوى هذا الفناء المنشود .. الانتقال من القالب إلى القلب ومن الكون إلى المكوّن ومن الصور إلى المصوّر .. هذا الانتقال ينعكس لغة في استخدام الرموز والميل إلى التجريد وإجبار الكلمات فنيا على مفارقة جسدها المعجمي لاكتساب معنى لاهوتي ورمزي مفارق ‘ تقول الشاعرة :

 

أحبكَ حتى الألم

الألم ملجأ السعادة في العدم

أن لا تنطفيء رغمَ الظلام

ضوءً عنيدٌ على الكون

قَدرُ المساحاتِ المرصودة في مُدرَكِ المعاني

أدركُ موتي وحياتي بِك

قَبلكَ كان الوقتُ ممتلئاً بالفراغ

وضجيجِ الفكر

هلاكٌ حي

حبةُ هطول أوجدتِ المعرفه

في السكونِ المبهم

عيناكَ الجميلتان طلعة الروح الأولى

نهضَت مِنّي إليّ

شغفِي بشفتيكَ تأكيدُ الخلود

 في سلامهِ الأسمى .

 

ولأن الذات الكاتبة تجنح لفناء وعشق إلهي ليس مغيبا ولا مجرد دروشة انسحابية مفارقة للعالم فإنها وسط همهما الأول بالبحث عن المطلق في دلالة النسبي غير مشغولة عن واقعها .. حاضرة في مشكلات وطنها ( سوريا) الذي تنتهكه الحرب وتفترس روحه الصراعات والتحولات المادية التي تطغى على كل ما هو مجرد وروحاني .. لكنه حضور بالجسد لا بالروح .. بالوعي لا بكلية الأنا الطموح لمعرفة الله  لذا سرعان ما ترتد لمطلوبها الأول .. ليس عجيبا إذن أن تتداعى نصوص الحرب والعروبة والوجود جنبا إلى جنب مع نصوص العشق والحب والفناء .. إن ذلك بمثابة مسرح للروح والوعي يتجلى عليه صراعات الأنا الكاتبة التي تبحث عن هويتها وطموحها للفناء في المطلق موازاة مع منازعة العالم لها من حيث كونها مخلوقا ماديا لا يستطيع الفكاك من أسر الزمان والمكان وقضايا الوطن المشتبكة في الوعي مع فرار الذات من الأرض إلى السماء .. ومن الأعراض إلى الجوهر الفرد الذي يشكل حقيقة الوجود ‘ تقول الشاعرة :

 

لا أحد أنت وأنت لا أحد

الفرح هُو البستاني الوحيد

الذي يُتقنُ هندسَة  الأحزان

الحياةُ قاربُ اللذاتِ المستحيلة

أمخُر بالموت إلى خُلودك الأرحَب

قبل أن تمضِي في طريقِك

عُد الى جَسدك مكمَنُ وجودِك .

 

وتتجلى الحرب في المشهد الشعري كمعادل موضوعي للحجب والعوائق التي تحول بين الإنسان والوصول لربانيته وحقيقته السماوية العليا .. فالحرب هنا بمثابة تعبير عن انتهاك القيمة وليست مقصودة في ذاتها .. وهذا يتفق وطبيعة التقنية التجريدية التي توظفها الشاعرة لكسر رتابة تصورات القاريء ومفاهيمه المعلبة والجاهزة عن العالم .. في محاولة لإعادة مفترضة لصناعة عالم مواز تسمو فيه القيمة الروحية المطلقة على المادية بكل صورها ؛ النفعية والسياسية والشهوانية وكل صور تدني الذات والتباسها بالغياب عن جوهرها النوراني الذي هو نفخة من روح الإطلاق . تقول علياء :

 

كيف التقينا في رحلة العبث

الغزاة يدركون هيامنا

والبندقية حبيبة رؤوم

لا وقت للقبل

التعازي محتشدة بتوابيت الأصدقاء

وغيبوبتنا سديم المجرة

صراخك فكرة

وغضبي أنين حرب لا تنتهي بموتها

مشغوفة بك كحلم الفاتحين

باجتياز المعبر .

 

وتستخدم علياء سروجي عدة تقنيات شعرية في تشكيل فضاءها اللغوي منها التشظي وتفتيت وعي المتلقي بالوجود وصوره ومشاهده .. ومنها استلهام دلالات موروثة للرهان البنيوي على ما استقر في الوعي الجمعي .. ومنها استحداث الأخيلة والرموز للتأكيد على أصالة عالمها الشعري وانتخابها المعجمي .. أيضا التعبير بالصورة .. إلا أنها أحيانا يعتورها نزعة خطابية مباشرة وكأنها بمثابة صرخة بلا مواربة للذات للتأكيد على ضيقها وحزنها من خواء العالم واستلاب قيم المضامين وعدم الرغبة في المواربة والإعلان تصريحا عن موقفها في مواجهة الجماعة عرفا وقيما وتصورات متكلسة باتت محرضة على الثورة ‘ تقول الشاعرة :

 

في الغربة الكل يعرف الغريب

إلا أنت

الكل يعرف  شعرك الأسود

حين لا تحسب له لونا

هنا أحجار  لا تشبه مفاصل يديك

وصخور لا تشبه خشونة ركبتيك

على الحدود الفاصلة بينك وبين دمك الهادر

تقف أفواج الفرح لنسيانك

يقف قلبك الغض في كف جدتك اللين

 تقف حبيباتك وقد حللن إزار  جلودهن

للصحارى .

 

ويغلب على الكاتبة استخدام ضمير المخاطب محاورة وأسلوبية .. وهو مخاطب افتراضي كامن في الوعي يمثل الشريك الحقيقي للروح .. وهو المطلق المتطلع إليه رؤية وفلسفة ووجودا .. فالخطاب هنا هو حاصل مناجاة الأنا الواعية لنسبيتها وعدميتها ومحدودية زمنها الوجودي مع المطلق السرمدي الأبدي القادر وحده على احتوائها ونقلها من عدمية الصور إلى أبدية الماهيات والجواهر وخلود القيمة عبر برزخ المحبة المجردة المتعالية عن تعيينات النوع .. حيث لا ذكر ولا أنثى وإنما هو فعل المناجاة بين مخاطَب ومخاطَب .. بين الفرد الصوري الزائل والفرد الحقيقي الباقي .. بين الإنسان والله :

 

أنا واللاأحد مدونتي الصادمة

مساعي المجنحين

والساكنين الأرض وما تحتها 

في بقائي حيا

كانوا طويلا يقضمون من فاكهة نعشي

وقت كنت واللاأحد

نفقأ الحصرم في عيون الألم

دالية الأوراق المخرّمة بدبيب الطبيعة

تورقُ بلا خجل بين عظامنا

التي خَلخَلها الحمض

البندقية فوق تل من زهر السفرجل

يغصُ الكل قبل بلوغها

 تركتها مثلي لمخالب الحرية

تصب لي أمي بعضا من حليب النوق

لأشفى من اللعنةِ المباركة

من ولهي باللأحد

من حسي المزهر بالفراغ

من تطاول السكينة في عيني

كمعبد في طلعة الجبال

فوق الفيافي والضباب ورقاب الأفق

يزملونني ببردهم والشموس يدفئها حطامي

الصحو يسكنني غيابا

المشنقة فوق جزع الإفك تردينا جميعا

 الحنين يصلبني فوق أعمدة القرنفل  

ينزفني الطهر سحابا

واللاأحد تباركه الجنةُ السراب .

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


Site is using the Seo Wizard plugin by Seo.uk.net ( seo.uk.net )