إيهاب الراقد يكتب: في نادي الدبّ الأبيض | موقع قصيدة النثر - kasedat-elnathr-site

إيهاب الراقد يكتب: في نادي الدبّ الأبيض

في نادِي الدبِّ الأبيض الليليّ؛ لا مكان للحُزنِ، لا تُحاول أن تختارَ كُرسيًَا، المكانُ مُزدحمٌ بالنقُوشِ.

تلكَ يدٌ نحيفةُ بشعرِ رأسٍ فِضيٍّ، ناعمةٌ، ملساءٌ، كزجاجةِ حامِضٍ مُبتلَّةٍ، كليلةٍ في نهاية الخريفِ، يتسرسبُ الأصفرُ فوقَ أكتافِها كشروقِ شمسٍ شردتْ في ليلٍ مُزدحمٍ بالكؤوس العطشَى.

هذا خاتمُ يدعونَه “الأبضاي”، ملبوسٌ في أصغرِ إصبَعٍ، يحملُ كأسًا رماديًّا في حضورٍ مُدهِشٍ للفقّاعات الحمراءِ، صدِّقني، لا مكانَ للحُزنِ، النادلاتُ يقطِّرنَ بأثدائهنَّ في كؤوسٍ لرؤوسٍ ضخمَةٍ ذات أسنانٍ ذهبيَّةٍ يتدلَّى منها لِحياتٌ مُحنّاةً بالذهبِ تتماشى مع صفوف الحُرَّاسِ حولَ الطاولةِ.

الكلُّ يرقصُ، أو، وحدي أُغنِّي كي يرقصون، المُوسيقى لم تُشعل فيَّ الخيالَ، لكنّي أتذكّّرُ الأفيالَ التي فتحتْ البابَ علينا، كي يطلبونَ أن تتخلَّى إحدى الفراشات عن أجنحتها : _الرحلةُ طويلةٌ جدًا يا أصدقاء. يقُول أضخمهم.

إستبدلَتْ إحدى السيّدات جناحًا واحدًا أرهقهُ السفر مقابلَ سِنٍ من العاجِ الناصعِ، رجعتْ وجلستْ في زاويتها كما كانتْ، لتُداعبَ السَّاقِي، لاعبُ المُوسيقَى، وكتفي التي كُنتُ أستلقِي بها بعيدًا على ماءِ إحدَى التنّوراتِ.

مُبتلَّةٌ، كطبقٍ من اللبنِ الطازج، مُبتلَّةٌ، كالليلةِ الأولى في ديسمبر الرطب، ترقُصُ، لا؛ فقط تتمايلُ، فنتمايلُ جميعًا، حتّى المُوسيقِى تركتْ آذانَنا وصارتْ تتكوَّرُ كذرَّاتِ تُرابٍ أسفلَ حذاءِها الأزرق، الأزرق الأزرق، كلُّها أزرق، عيناها، حمَّالة نهديْها، خيالُ شعرِها في مشهدٍ رأسيٍّ. حتّى عطرَها كانت أمواجُه تغمُرُنِي كطفلٍ يغسلهُ الماءُ الباردُ.

جرسٌ صغيرٌ في جدائِلها، كان يوقظُ شعراتي كجنود حربٍ، دفعتني بقوّةٍ نحوَ الحائطِ؛ فهدمناهُ، دفعتُها نحوَ السيَّارةِ، فتعطَّلَ المُحركِ، ابتسمتُ؛ فكشفَتْ عن سنِّها الأبيض، ثلاثنيّةٌ عذباء، هيفاء، ناهدةٌ تتفجَّر طُولًا كطائِرةٍ حديثةٍ تمرُّ فوقِي وأنا في انتظارِ القصفِ كقريةٍ هاجرَ كُلُّ رجالها.

في الكُرسيِّ الخلفيِّ لم نشعُر أبدًا بضيقٍ، فقط كانت ساعةْ، في السيَّارةِ ساعةْ، في عوَّامةٍ تتمايلُ مثل تمايُلِها ساعةْ، في قاربٍ مكبَّلٍ كعاشقٍ، التهمنا السَّاعةَ، في كلِّ ساعةٍ كانت تقتربُ كقَدَرٍ، كفضيحةٍ، لكن في صمت، لم تتكلَّم كثيرًا، انهَرتُ كما انهارت فواكِهُهَا من فوق الأغصان، كشجرةٍ تأخَّرَ قطفُ ثمارِها، قالتْ :
_أهلًا بكَ في موسم الحصاد..

جلسْنا قليلًا، أخبرتْني عن أبيها العميلُ للعدوِّ، الذي باعَها من عشرينَ عامًا لتاجرِ أعضاءٍ، تزوَّجَها، بعدَ أن لمَسَها مرَّةً واحِدَة، غرس البذورَ ورحل.

_ياللحظ. أجبتُ
ابتسمتْ ثانيةً، فقلتُ : _يا ويلي
صرختْ، تأسَّفتُ، قالت : _أكمِل
صرختْ، قُلتُ لها : _لا، هذا يكفي، أنتِ مُتعبةٌ جدًا
قالت : _أكمِل أرجوك.

حَمَلتُها إلى منزِلِِها، حملتْنِي لنفسِ الكُرسيِّ الذي أجلسُ عليه كلَّ ليلةٍ، فأصحو في الصباحِ أمسحُ شفتاي بظهر يدي، أقولُ لنفسي :
_ملعونٌ هذا الحنين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.


Site is using the Seo Wizard plugin by Seo.uk.net ( seo.uk.net )