أشرف الجمال يكتب : المرأة وهاجس الجسد | موقع قصيدة النثر - kasedat-elnathr-site

أشرف الجمال يكتب : المرأة وهاجس الجسد

 

المرأة وهاجس الجسد
………..
هل هناك فرق بين المرأة الريفية والمرأة الحضرية ؟ أم أن المرأة هي المرأة في كل مكان ؟ وهل ثمة فارق كبير في الوعي بين المرأة المسلمة والمرأة المسيحية مثلا ؟
يبدو هذا السؤال مفارقا لعنوان الأطروحة ‘ إلا أنني أرى أنه يمس جوهر الفكرة من قرب .. من الملاحظ – والحديث هنا عن المرأة المصرية تحديدا – أن ثمة فروقا من نوع ما بين امرأة الريف وامرأة المدينة ‘ والمرأة المسلمة والمرأة المسيحية .. إذ تمثل الشخصية المصرية عدة ثقافات وأعراق متداخلة ؛ فهناك المرأة التي تنحدر من أصول فرعونية وتنتمي كلية لثقافة مصر القديمة وهي أكثر انفتاحا ووعيا ومصداقية مع ذاتها في تصوري؛ وهناك المرأة التي تنحدر من أصول عربية بدوية تتشرب ثقافة البادية في عروقها ويكثر هذا النوع من النساء في الصعيد وسيناء وكثير من قرى مصر الريفية .. وهناك المرأة المصرية المستعربة التي مُسخت بفعل الفكر الوهابي والسلفي وفقه البادية الذي تصدّره وسائل الإعلام والقنوات الدينية المسطحة التي يمولها النفط الخليجي للهيمنة الثقافية وضمان تبعية الوعي المصري لأفكاره وثقافته.. وهناك المرأة المسيحية ذات الأصول القبطية التي لا تخضع بأي شكل من الأشكال لثقافة شبه الجزيرة العربية بل ربما تقف معها في خصومة تصل لحد الرفض المصحوب بالكراهية .

وفي العموم يظل هاجس الجسد هو الهاجس المهيمن على طبيعة المرأة ؛ ربما بفعل الفجوة البيولوجية التي تفترض أن أي خدش يعني فقدان العذرية ومواجهة أحكام المجتمع وسلطة الجماعة وعقابها .. لذا يصبح الجسد هو الفكرة الأكثر هيمنة على وعي المرأة .. ويبدأ ذلك الوعي في تكريس هواجسه منذ مرحلة المراهقة .. فمبجرد أن تصل البنت لسن 15 سنة تشعر أنها صارت أنثى .. وتتلقن الوصايا الأهلية التي تغذي فيها الشعور بجسدها .. وتبدأ في إدراك التغير البيولوجي والعضوي الذي يمنحها نوعا من الحضور لا سيما مع التفات العوام من الدهماء إليها .. تشعر الفتاة بأنها صارت مرغوبة وتتعلم بالفطرة العناية بمظهرها واستخدام الوسائل المتاحة لعرض جمالها بشكل فطري.. إذ تربط بين التفات الناس إليها وبين حضورها كإنسان وبدون ذلك الحضور تشعر بأنها مجرد كمية مهملة لا قيمة لها .. وبدلا من أن تتوجه لملء روحها وعقلها فكريا وإنسانيا لتمثل القيمة الحقيقية لوجودها.. تتوجه لخدمة هاجس الجسد ويصبح الجسد في وعيها هو كل ما تمتلك من ثروة ومزايا تمنحها ضمان اختيار الشريك الأنسب والسعادة المفترضة .. من هنا تنبع مشكلة الشعور بالرصد والترصد .. والقناعة بأن كل رجل هو مجرد قناص يسعى جاهدا للاستيلاء عليها ( وبالأحرى على جسدها ) ولا تفرق بين العوام والخواص .. بين من يفكر ومن يلمس .. بين الجميل إنسانيا والقبيح .. فتتحول تلك الهواجس لنوع من الوسواس القهري .. مجرد كلمة عادية تقال لها في سياق اللطف أو المزاح تخضع لتأويلات موغلة في التخوين .. ومجرد لمسة غير مقصودة قد تحدث بينها وبين رجل ما في أتوبيس أو قطار مثلا تتحول لمحاولة قنص واستلاب ملغومة بأسوأ النوايا .. التربية الخاطئة والوعي المكثف للمرأة بجسدها يخلق من نواياها قنبلة موقوتة مشفوعة بظنون سادية تجاه كل رجل .. يمكن أن تنفجر تحت ادعاء العفة الكاذب .. هو نوع من المزايدة لإعلان الحفاظ والعفة أمام الأهل والمجتمع لتخبئة ما يمكن أن يكون سيرة ذاتية للانحلال في الباطن والمسكوت عنه وغير المعلن .. حتى ليشكل فصاما أخلاقيا .. فقد تكون هذه المرأة أسوأ خلق الله سلوكا وأكثرهم خواء روحيا وربما تمارس كثيرا من الخطايا الخفية فيما تعلن بازدواجية مريرة اتهامها للمجتمع وأفراده بشكل دائم ومتواصل للإفصاح عن عفتها.. ولتأكيد أنها مرغوبة وأن كل من يعرفها أو يلقاها هو طامع فيها … والمشكلة أن المجتمع المشوه أيضا ذكوريا يلقى نوعا من التصديق في حالة ادعاء أي امرأة لمضايقة رجل لها .. من دون تفكير أو أدلة تُصدَّق المرأة ويُكذَّب الرجل ولو نزل ملك من السماء لتبرئته .. السبب أن المجتمع أيضا صار ازدواجيا يعلن ما لا يفعل .. ويفعل ما لا يعلن .. إنها ثقافة مشوهة من الأساس .. تحيل القيمة للظاهر ولرضا الجماعة بغض النظر عما بين الفرد والله وبينه وبين ضميره الشخصي .. وهذا النوع من النساء يصبح فريسة لتصوراته ولثقافة الجسدنة من ميلاده إلى موته .. فمثل هذه المرأة أفقر من أن تحتوي ذاتها والآخر بفكرتها أو بروحها . ولا تستطيع أن تتصور أن هناك نوعا من الرجال لا يعنيه في المرأة سوى فكرتها وإنسانيتها وأن الجسد لا يمثل له أي معنى في الحكم على القيمة .. خصوصا أنه هبة من الله ولا دخل للمرأة في اكتسابه .. فلا يمنحها ميزة عن قرائنها . لكنها تبقى وتظل دوما أسيرة فكرة الجسد في تصوراتها وسلوكها ودوافعها ورهانها على الشريك والحياة بأسرها .. وغالبا ما تتخلل حياة هذا النوع من النساء خيانات نفسية وربما عضوية في حالة اهمال الكم الجسدي فيها من الشريك .. والأمر أكبر من كونه قناعة بل قد يكون داء عضالا لا شفاء منه .. وامتدادا لتاريخ العبودية النسائية وثقافة الجواري .. وطمسا للهوية مقابل ذكورية أكثر تشوها ومزايدة .

وبشكل صريح وواضح لم يزدد هذا الهوس الجسدي لدى الفتيات في مصر إلا بعد المد الديني الوافد من الخليج عبر قنوات الإعلام المؤدلجة والمطبوعات المسطحة وأذناب الفقهاء المتسلفين .. وانفصال الشخصية المصرية عن طابعها وانعكاس كل ذلك على وعي الآباء والأمهات والطريقة التي يربى بها الأبناء .. لذلك أتصور أن المسيحيات في مصر أقل هاجسا وأكثر رحابة ووعيا من هذه الجهة لانتمائهن لثقافة مغايرة … وبالطبع مثل هذا الحكم ليس شموليا .. فهناك استثناءات ونماذج واعية ونقية من كل الأطياف غالبا هي صنيعة الثقافة الرفيعة والإنسانية الشفيفة التي تربت على قيم الجمال لا القبح .. والحرية المسئولة والشفافية في إعلان الذات لا ادعاء التدين مزايدة ومراءاة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


Site is using the Seo Wizard plugin by Seo.uk.net ( seo.uk.net )