أسماء شهاب الدين تكتب : تطريز الشتاء | موقع قصيدة النثر - kasedat-elnathr-site

أسماء شهاب الدين تكتب : تطريز الشتاء

11041761_10206427968323259_249582503276625384_n

تطريز الشتاء

….

زحف الشتاء ووقف على الشباك منتظرا أن أسحب صيفي. الشتاء يقبض قلبي ويحبس روحي في ندف الثلج وبرك المطر. بداخلي روح أفريقية تحبّ الصيف والألوان الحارة. تنتمي للنهارات الطويلة. ولاؤها للشمس. بصمات الشمس على جلدي.
وقفت أمام دولابي أُخْرِجُ الملابس القطنية والحريرية ذات الألوان الأفريقية وأُدْخِلُ أخرى ثقيلة الزرقة، رمادية، بنية، داكنة السواد. هناك في ركن دولابي البعيد اختبأ أول بالطو أبيض استخدمته بعد تخرجي من كلية الطب. تناوب عليه مئة صيف وشتاء ربما! يظل في مكانه أغسله، وأعلّقه على الشماعة، ثم أُخبئه في ذلك الركن زمنا ثم أعودُ وأغسله وأعلّقه. أرتديه أحيانا أمام مرآتي فيخبرني بما فعلتُ بجسد تلك الفتاة التي كُنْتُهَا منذ خمسة عشر عامًا. ربما صرت أرفض ارتداءه لأني أرفض تمدد جسمي الذي يجعله ظاهرا للعيان، أو ربما لأحافظ على بصمات أمي عليه. أتحسّس أول حرفين إنجليزيين من اسمي طرزتهما أمي بغرزة السلسلة على الجيب. شَبَكَتْ الـ A مع الـ H برشاقة. جمالُ خطّها واضح في انحناء الحرفيْن بانسيابية، والتصاقهما الحميم، بل وفي نَمْنمة التطريز بلونه الأحمر القاني الحار. طالعني وجه أمي الباسم بين الصوف والجوخ وهي تنظر بسعادة إلىَّ في البالطو الأبيض الذي طَرَّزَتْ جيْبه ليعرف طريقه إلى صاحبته فلا يرتديه أحد غيري. 
أحاول القبض بذاكرتي على نفس الابتسامة الدافئة التي تطرّزُ وجهها بعدما أرتدي كل “بلوفر” تصنعه لي. عندما يبدأ الصيف في الانسحاب، تتحدى أمي الشتاء بالتطريز وشغل الإبرة. تصنع ثيابا من التريكو لبراد الشاي والسُّكَريّة وزجاجات الشربات، وتفصّل فساتين من الكروشيه لمقابض الأبواب وقواعد القدور الساخنة. تدفيء كل الأشياء حولها.
أرفض الشتاء لذلك قلت لها ذات يوم إني أريد إنتاج مثل هذا الجمال. أحضرتْ أمي القماش وبكر الخيط وشلل الصوف والإبر بمختلف الأطوال والمقاسات. جلست أمامها وأجهدني الدرس. أنظر لوردتي المرتبكة ووردتها الندية الرشيقة وأمطّ شفتي. تبتسم، فأحاول الابتسام وأنا أطعن قماش الدبلان الأبيض بإبرتي المطعمّة بالخيط الأخضر. تعيدُ الكرّة وأُعيد الكرّة. أضعُ الفرع الأخضر الذابل لشجرتي بجانب فرع شجرتها الأخضر الفتيّ المنتصب بعدما دبت فيه الحياة من أصابعها. تتدلى كتفاي وأزعل. نهدم “الدور” ونبدأ من جديد. صنعتُ بيت عنكبوت خائب متهالك أما غرزة العنكبوتية التي صَنعَتْهَا كانت كفيلة باصطياد عصفورة! تقول: “اصبري.” أقرر أن الصبر موهبة ليست لدي. تغضب وتقول لي: “لم يعلموكم شيئا في المدارس.” أخبرها أني كالصبيان أحب الجبر والهندسة وأريد بالطو دكتورة أبيض. تضحك وتحتضنني، فيخجل الصيف ونفتح للشتاء الشباك. 
أصرف نظري عن التطريز والتريكو وأكتفي بالاستيلاء على صنائع جمالها ومنتجات إتقانها. لي غرزتان فقط في البلوفر “البطيخي”. آخر ما صنعته لي. تسميه “البطيخي” وأسميه “النبيذي” وتغفر لي لأنها تعرف معاناتي مع تمييز الألوان وأني أحتاجها بجانبي كي أميز دائما بين الكُحْلي والأسود. كنت أرتديه مرة واحدة في الشتاء كي أرضيها لأنها صانعته. تتبدّل ابتسامتها وتقول بحسرة: “والله جميل. لا أحد يقدّر “الهاندميد”. 
نعم. حتى أنا! أبتسم وأقرر ارتداء البلوفر الهاندميد “البطيخي” هذا الشتاء كثيرا. أضعه عليّ برفق. مازال به فسحة لتمدد جسمي عبر السنوات الماضية. أعرف أنه خارج الموضة لكني صرت أعرف معنى أن تصنع لك يد ما بلوفر، أو ترسم لك لوحة، أو تطبخ لك وجبة، أو تهديك سطرا في رسالة. أنزع البالطو الأبيض عن الشماعة وأتعجب من نصاعته التي صمدت في وجه بقع الدم والبيتادين واصفرار الغسيل المتكرر بالكلور. أرتديه فيخبرني بأن التطريز بالأحمر مازال حارا وأنه ربما يكون صالحا للارتداء إذا قبلت تمدد جسمي، ولم أغلق أزراره. 
طرق الشتاء على شباكي. فتحت الشباك.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.


Site is using the Seo Wizard plugin by Seo.uk.net ( seo.uk.net )