أحمد الفخراني يكتب : تسقط من شرفة دهشتها.. اللذة في مواجهة رعب المدينة | موقع قصيدة النثر - kasedat-elnathr-site

أحمد الفخراني يكتب : تسقط من شرفة دهشتها.. اللذة في مواجهة رعب المدينة

 

“تسقط من شرفة دهشتها”.. اللذة في مواجهة رعب المدينة

قراءة في ديوان أماني خليل

—————————–

أحمد الفخراني :

من زاوية العزلة، النبذ، المطاردة، عارية من كل غطاء اجتماعي، هكذا يمكن رصد العالم من عيني عشيقة، لا تملك من حصيلة مواجهة العالم/ الفضيحة إلا أجنة مجهضة.

في ديوانها الأول “تسقط من غرفة دهشتها”، الفائز بجائزة التنويه بالتميز في مسابقة أسامة الدناصوري دورة 2016، تعيد أماني خليل صياغة أسئلة جوهرية عن الحب والحياة والخطيئة، حيث يمكن من زاوية العزلة تلك، نزع ركام من الضلالات شديدة اليقين والتنطع عن ماظنناه مألوفا إلى هذا الحد كمفهوم الحب. تتشبث بحسيتها الواهية والعميقة في آن، يمكن للعشيقة وحدها- خارج كل الأطر- وبروح اليأس فقط أن ترى.

يبدأ الديوان وينتهي بقوسي الحلم، ويضمان بينهما كابوس الواقع، المطارد لعاشقين، فربما ” لو أن هذا العالم قبلة/ لو أن الشارع حلبة رقص / لو أني سيجارة في يديك، لو كنا قطرتين في غيمة” ربما لحدثت النجاة، ثم ينفتح الديوان على الكابوس بروح تذلل وحشيته، بجعلها جزء من لعبة الغواية، كذكريات هي ما تشكل فعلا حقيقة الحب، فتصبح ” العتمة لم تسعنا” و” القبلات المعلقة على حائط التمني”، ” الفضيحة التي لم ننل شرف صدارتها”، “الوسادة التي عضضتها عوضا عن عنقك لاشتهائي للعابك المر” مختلطة في نسيج واحد مع ” شحمة أذنيك الشهية، لحلمتيك الحلوتيين، لشهقتك الفاخرة”.

هروب من الذعر العام للمدينة، وقشة نجاتهما هي التشبث بحسية جسديهما الواهية والعميقة في آن، حيث ” سيارة مجهولة تطاردهما/ في الشوارع الجانبية/ السائق قرصان بعين واحدة/ والنساء غربان في الشرفات/ على عتبات البيوت/ فروع اللبلاب أفاعي/ والمارة يحملون الخبز والغضب/ لا مكان في المدينة/ لقبلة خاطفة!.

محاولة الهروب من الذعر هي محاولة يائسة لتصفية جوهر الشبق واللذة، ووضع بخارهما الهارب في قنينة، تخليدا للفاني، وقبضا على الماء، و”اللحظات الهشة”. وحيث الحب يجعل “الآن للأبد!”

سؤال الخطيئة هنا، ليس سؤالا محوريا، بل هو الظل الذي يتم تجاهله طيلة الديوان، حس المطاردة والذعر الذي يطوق حماس عاشقين، وبتجاهله يتم الفعل، القشرة القاسية  التي تعيق جوهر اللذة والعشق عن الحضور الكامل، والعشق هنا وفق تأويل الديوان، حسي، يتجاوز هذا الخصام الأفلاطوني بين الروح والجسد، بل يجد روحانيته في الانغماس في الشبق، وتتحول مفرداته الأرضية التي يمكن إمساكها إلى تحليق سماوي وصوفي. أما الخطيئة، فتظل هي جحيم الآخرين المزعج، لا تخف وطأته، ولا حضوره القابض، فقط يتم تجاهله، إلا من قصيدة واحدة، لا تحاول فهم هذا الظل الكابوسي ولا التعرف عليه بعمق: نعم.. نحن نعرف أنك هنا.. وليفعل كلانا ما يحلو له.. وسنغيبك تماما، بعدم تقديرك، لن نحتقرك، ولن نخاف منك.. أنت غير موجود. في هذا الفعل، يتم إغواء الخطيئة نفسها لتصبح مؤججا للذة والمتعة، وضمن مفرداتها: فالذي يبدأ بسؤال كابوسي: “ما هي الخطيئة؟ ما لونها! هي ليست بيضاء بالطبع ولا سوداء بالضرورة” يتحول إلى تلك الإجابة اللاهية التي تجره إلى قاموس المتعة الحسي واللطيف ذاته: “ربما هي برتقالية، وبطعم التبغ، لتشبه قبلتك الأخيرة في سيارة الأجرة، حيث كان وداعنا الأخير”. وهو ما يتجلى بقوة في قصيدة غواية: “الصباح يتمطى/ يطقطق أصابعه وجلا/بعدما اندست الخطيئة/في جيوب الحلم/ لتتفلت المرارة سريعا/سحبت كرسيا هزازا/ لألهو بتجربة الغواية/ ألمس ذقنك النابتة بقسوة، فتغريني بعدم انهاء الحكاية”.

يتخلص الحب في الديوان من أوهام الرومانتيكية الفجة، وركام تكراره، لا يصبح دافئا وحالما في أوج تحققه، ولا يتحول ألم مغادرته إلى شر، كيف يمكن استعادته من أوهام إلا باستيعاب شروره كجزء من سحره وغوايته. حتى أن الخيانات المتبادلة تنضح بالرقة، كجزء أصيل في لحمة الحب، حيث يجلسان “كغريمين/ يطعنان وجه بعضهما بنظرات حارقة/عدل الأول ربطة عنقه/ فدس الثاني سيجارة في فمه/ ونفثها بتعال/ وضع الأول ساقا على ساق/ثم تحسسا مسدسيهما”. وحيث تعلن ندية الأنوثة تعلن في طلب اللذة وإعلان الشهوة، والحب وتبادل الخيانة والألم، لا في الانكسار، لا ضحية هنا، فقط خاسرين، والمزيد منهم، ووعي أصيل بالهزيمة. أو كما يقول بودلير: اللذة الوحيدة والقصوى للحب تكمن في اليقين بإتيان الشر.

تترجى العشيقة، المنبوذة، أبعد من الغطاء الاجتماعي والاعتراف، تترجى أن تمسك بشيء نادر وسط جحيم السراب و” الأجنة المجهضة”، ولا تصير الزوجة إلا جزء من ظل الخطيئة الجاثم، لتتجاوز معه إكليشيه الضحية، ولا تصبح حتى من وجهة نظر العشيقة مرادفا للشر، بل حجاب وحطب لنار اللذة المحرمة في آن.

وعبر عرائس قطنية، تمتص الماضي وتقتل ثقله، لتستقبل الألم الجديد بخفة أكبر.

يمكن ببساطة أن نلمح تلك المخالب والجروح، التي يخلفها الحب، بلا تجميل وبلا براءة تلك حقيقته، وهكذا تصير وحشيته جمالا. إنه يقاوم تحت وطأة مدينة حاقدة وموتورة وقابضة، وفي عالم الشعر وحده، يمكن رسم مدينة أخرى في القوس الثاني الذي يختتم الديوان، مدينة تنبت كوردة من الخراب بلا “زنازين ضيقة” وبلا “رجال كهنوت في الزاوية”، وحيث “تصدح المآذن حي على الحب”، ولن يخلف حريق الرغبات رمادا، بل سيمد أصحابه كل يوم بـ” أرواح جديدة”.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


Site is using the Seo Wizard plugin by Seo.uk.net ( seo.uk.net )